الفنان المبدع صفقان أوركيش شكراً لوفائك

بهزاد عجمو 

في التسعينيات من القرن الماضي حينما كان أخي فرهاد بكامل صحته وعافيته سألني أحد الأشخاص من المكون المسيحي حيث كان محله التجاري بالقرب من محل فرهاد هل أخاك فرهاد زعيم سياسي أم رئيس عشيره لأني أراه يستقبل وفد ويودع وفد آخر ويستمر هذا على دوام كل الأيام، و هذا ما جعلني أستغرب، فأريد منك الحقيقة، فقلت له باسماً : ليس هذا ولا ذاك إنما كل ما في الأمر أن فرهاد شاعرٌ أحب وطنه وعشق قضية شعبه فلمع نجمه وكبر شأنه وعظمت شهرته وأن الذين يزورونه فئتين، الفئة الأولى : يحبون شعر فرهاد لأنهم يعدون الشعراء قناديل ينيرون لنا الدرب فالليالي المظلمة التي أدخلَنَا فيها الطبقة السياسية وبالتالي أصبحنا في متاهات فما أن نخرج من متاهة حتى يدخلونا في متاهةٍ أخرى، 
فلذلك هؤلاء زوار فرهاد يريدون أن يبتعدوا عن السياسة والسياسيين وأن يروا فرهاد وشعر فرهاد لأنهم يريدون أن يعيشوا في هذا العالم عالم الأمل والألم والشفافية وحب الوطن والوفاء والحقيقة والصراحة والبراءة في زمن أصبح الكثير من الأشياء عند شاعرهم، فلذلك يقصدونه في هذا الزمن الصعب وان هؤلاء يشمل المزايدين والمتسلقين والانتهازيين والمراوغين والأقزام، فهؤلاء يجلسون مع فرهاد ليعلوا من شأنهم ولكي يعبرهم الناس من صفوة وكبار القوم وفعلاً عندما أُصيب فرهاد بوعكة صحية فكلّهم تخلوا عنه ونسوه حتى، بعد أن رحل فرهاد لم يكلفوا أنفسهم بزيارة ضريحه وعاد كل شخص من هذه الفئة إلى قاعدته بها حب الأشخاص الذين هم على شاكلته ظناً منهم أن فرهاد قد مات وانتهى ولكنهم نسوا أو تناسوا أو ربما لا يعلمون لجهلهم، أن الشعراء والكتاب لا يموتون ويبقون خالدين أبد الدهر وعرف هذه الحقيقة شخصان اثنان من أصدقاء فرهاد هما صفقان وأخيه شيدا، فظلا يزورون صديقهما باستمرار وخاصة عندما اشتد عليه المرض للاطمئنان على صحته فعندما كان فرهاد يراهما كان ينسى مرضه وآلامه وكأنه بكامل صحته وعندما يمر يومين أو ثلاثة ولا و لا يراهما كان يسافر إلى عامودا لرؤيتهم لأن صفقان لم يستطع باستمرار أن يأتي إلى قامشلو  لأنه  كان يعمل في إذاعة  
( آرتا ) وسأل أحدهم مرة فرهاد عندما ينقطع المواصلات بين قامشلو وعامودا فماذا ستفعل أجاب فرهاد بدون تردد سآتي إلى عامودا مشيً على الأقدام لأنه لم يكن يستطيع الفراق عن صديقيه أو بالأحرى أخيه لأنه كان يرى عندهما الود والإخلاص والوفاء في هذا الزمن الصعب الذي أصبح فيه الوفاء عملة نادرة وخاصة بعد هجرة كل هؤلاء الأشخاص الذين كان يعتبرهم فرهاد أصدقاء له ولكنهم لم يكونوا سوى متسلقين وانتهازيين ومرائين وبعد أن أجرى فرهاد العملية الجراحية وعاد إلى البيت كان يردد كل مساء أن شيدا الآن في استانبول وأن شيدا جرى إلى ألمانيا يقول ذلك وعينيه تكادان تدمع ويردف قائلاً أين هاتفي سأتصل مع صفقان، فبعد أن يتحدث معه يرتاح نفسياً ولو كان باستطاعته أن يسافر إلى عامودا لسافر ولكن لم يكن يستطع لأن المرض قد اشتد عليه لأنه كان يشتاق لصديقه بل لأخيه الوفي صفقان حيث أن لفرهاد ستة أخوة ولكنه يعتبر أن له ثمانية أخوة و السابع صفقان والثامن شيدا ولكن مع الأسف أن شيدا قد هاجر وبقي صفقان بجانب أخيه فرهاد، يقول لي أن صفقان يملك حس موسيقي مرهف وأن الحانه فيها إبداع موسيقي وثالثاً يملك ثقافة موسيقية رائعة ورابعاً لقد تعب على نفسه في الدراسة والبحث في فن الموسيقي هذا بالإضافة إلى شخصيته المتواضعة فهو أشبه بسنبلة قمح ممتلئة وحبّاتُها كبيرة لذا ترى هذه السنبلة دائماً في وضعية الانحناء، هذا التواضع والإبداع في شخصية صفقان جعلت أواصر الصداقة بين أمير شعراء الكورد وصفقان تشتد وتقوى وأستطيع أن أقول بأنها وصلت إلى درجة الأخوة على مبدأ ( ربّ أخ لم تلده أمك ) لأن الصداقة تصل إلى درجة الأخوة بين شخصين إذا كان هنا تناغم فكري وروحي بينهما هذا بالإضافة إلى التناغم في المشاعر والأحاسيس والوفاء والإيثار وبقي صفقان وفيّاً لهذه الأخوة سواء عندما كان فرهاد حياً يرزق أو بعد رحيله إذ نرى بتاريخ 8/6 من كل عام، ذكرى رحيل فرهاد في هذا اليوم الحزين يقوم بكل الترتيبات سواء بنشر إعلان دعوة لزيارة الضريح على صفحته على الفيسبوك وبعد ذلك يقوم باستقبال الزوار ولكن أرى في كل عام وفي هذا اليوم المشؤوم أن الحزن والأسى على وجهه يشتد عام بعد آخر لسببين السبب الأول الحزن على فراق أخيه والسبب الثاني لأن عدد الزوار قليل جداً إذا قارنا ذلك بالشعوب الأخرى ففي ذكرى رحيل الشاعر الروسي ( بوشكين ) يصطف الروس برتل أحادي حيث أعدادهم تكون بالآلاف ولكن يا أخي صفقان لا نستطيع أن نقارن أنفسنا بالشعوب المتحضرة وحتى النصف متحضرة ولكن مع الأسف لا حياة لمن تنادي فالطبقة السياسية الكوردية لا يأتون لأنه ليس لديهم وقت فراغ لأنهم مشغولون، فكل مجموعة منهم قد فتحوا دكاناً للسياسة أو  سوبر ماركت أو مولاً يسترزقون  منه حتى أصبح عدد مكاتب الأحزاب الكوردية في قامشلو أكثر من محلات السمانة فالشعراء والكتاب والفنانيين الذين هم عبارة عن نجوم متلألئة يزينون سماء هذا الوطن وينيرون الدرب بعد أن حاولت الطبقة السياسية أن نعيش في ظلام دامس لغايات تتعلق بمصالحهم ومصالح دكاكينهم السياسية فالشعراء والكتاب والفنانيين ليسوا مهمين بالنسبة لهم وحتى الوطن والشعب كله ليس مهم بالنسبة لهم لأن مصالحهم الخاصة والدولارات قد أخذ معظم تفكيرهم، أخي صفقان هناك مقولة قلتها ونحن كنا في زيارة لضريح فرهاد حيث قلت : بأنه لو أتى من الأقارب من كل بيت شخص واحد لكان هنا على الضريح جمع غفير ولكن لا أرى من أقاربه سوى إخوانه ) أخيراً صفقان أنك ذكرت كلمه أقارب ولكن دعني أذكرك بالقول المأثور ( الأقارب عقارب ) فإن العقارب لا يذهبون إلى المقابر بل يتجهون نحو الأحياء ليلدغوهم وينفثون سمومهم في أجسادهم لأن هؤلاء الأقارب عفواً العقارب يظنون ويشمتون بأن فرهاد قد مات ولكنهم لا يعلمون بأن روحه قد تحولت الى نجمة في السماء، فلذا نقول لهؤلاء العقارب بأن فرهاد ( رحل كجسد ولكن روحه وفكره وشعره واسمه سيبقى خالداً أبد الدهر أما هؤلاء الأقارب العقارب فنقول لهم كفانا شركم وحقدكم وخفائكم وأن روح فرهاد الذي تحول الى نجمة في السماء لا يريد أن يراكم على ضريحه لأنه يعلم هذه الحقيقة بأنكم أتيتم لتشمتوا فيه وهو في الضريح هذا بالإضافة أنه يطلب الرحمة لكم لأنه على قناعة كاملة بأنكم من الأموات بينما فرهاد قد كتب اسمه بأحرف من نور على جدار الزمن والتاريخ فلم يمت ولن يموت وسيبقى خالداً أبد الدهر من خلال أشعاره وقصائده ودواوينه ولو بقي طفل كوردي واحد على وجه هذا الأرض سيردد قصائد فرهاد التي كتبها للأطفال وسيردد اسم فرهاد على قناعة كاملة بأن عقارب الغير هم ليسوا بأفضل بكثير من عقارب فرهاد أقول ذلك بكل أسى وأن هذا هو واقعنا الذي لا يسر أحد ولكن عزاؤنا الوحيد بأنه لازال هناك أناس خيرين أمثال صفقان، الذين أعتبرهم مثل شموع ينيرون ليلنا حالك الظلام وينشرون الضياء بوفائهم وتفانيهم وإخلاصهم ولا أجد على شفتي ما أطلق عليك وما أكتبه سوى أن أقول شكراً لوفائك يا صفقان         

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…