في رثاء الحمامة وأبعد

إبراهيم محمود

مَن أمعن النظر في الحمامة
الحمامة بيننا
معنا
تحط على أكتافنا
تنقر الحَبَ من راحات يدينا
تؤمّن على بيضها وفراخها في سقيفة بيتنا وبيننا
أو في أعشاش نعدّها لها
نراها كما نتابعها ونهتم بأمرها يومياً
أسمعتم بالحميماتي وصِلاته بالحمام ؟
إنما أي اعتبار يكون للحمامة في واقع الحال
أي رمز يكون للحمامة ونحن نحرص عليه….
لكم شغلتني الحمامة بطيريتها
بريشها الذي يصفق على مقربة منا
من يمكن قراءة نوايا الحمامة وهي تستعين بجناحيها
وهي تطير
وهي تعيش مأساتها الخاصة مع بني البشر
وكيف يقيمون صِلات معها غير ما تكونه في شفافية اسمها
من أمعن النظر في عيني الحمامة اللتين تستغرقان المكان أرضاً وسماء بنظراتها النافذة
تدقق في مدى توترات الهواء
الحمامة الشاهدة الأولى بين الماء واليابسة
اعترافاً مؤكداً بفضيلتها من لدن نوح السفينة
من قرأ نص السلام الذي يوشّم كامل ريشها
وهي تزنر الهواء الوقور بترددات هديلها الكوكبي
ربما أكثر من يتربص بها طيرياً: الصقر وسلالته من الجوارح
ألأنها تنبّه إلى شبهات الفضاء والقناصة الجوارح
ناسية أو متناسية نفسها وهي مرصودة من ذوات المناقير السافكة
يا لها من مفارقة أن يكون ” صقر ” الاسم شديد الذيوع بشرياً
” صقر” قل” شاهين ” قل ” نسر ” قل” عقاب ” قل” الباز ” بجعله مباركاً ذا كرامات
أسمعتم بأحدهم سمّي حماماً أو حمامة
ربما الاستثناء هو ” هديل ” صوت الحمام
يا للمفارقة الكبرى حين تسمّي الحمامة خاصة بشرية بذكوريتها المتداولة
يا للمفارقة إذ يجري الترنم على مذبحة حمامية” يلا تنام يلا تنام لأذبح لك طير حمام “
أغنية الأم لطفلها لينام إزاء مشهد ذبح طائر  رمز السلام 
كيف رسم بيكاسو طائر الحمام سلامياً وهو مسكون بمشهد الحمام مذبوحاً
أكان على علْم بأن الحمامة التي انشغل بها فنياً ورفع من شأنها، لا يدّخر المعنيون بأمور الطير عندنا بالإقبال عليها قنصاً أو مطاردة وصيداً والتلمظ بلحمها المطبوخ بهيئات مختلفة؟
أي استهواء بالدماء في ذاكرة البشر” بشرنا الذين ينتمون إلى أرض” الديانات الثلاث ” وهم لا يكفون عن الحديث عن الذبح: ذبح ذوات الأربع، وذوات الريش،دون نسيان ذوي الكائن العاري خاصتنا…إلخ “؟
أي مفارقة كامنة في الذاكرة الجماعية للبشر هؤلاء، وهم يقبِلون على هذا النوع من الهدر في الأرواح: أرواح بعضهم بعضاً، أرواح كائنات حية أخرى، في مناسبات مختلفة، ودون أن تفارق ألسنتهم تلك الكلمات التي تشهد على ورعهم المزعوم وتقواهم المزعومة وتمسكهم بالدين الذي يشدد على الرأفة بالكائن الحي و… في ظاهره؟!
ماذا وراء هذا التباهي بالوحام الدموي جهة التأكيد على أن أول الطعام وأهمه: اللحم، وأكثر الأطعمة تقرباً بها من اللامرئي هو في تقديم ذبيح، وعلامة التقدير للآخر: ضيفاً أو غيرهم، وذيوع الصيت، هو في مدى الإكثار من الذبائح أو تناول اللحم، وإظهار الدم على عتبة البيت أو خارجه ليراه الناس تعبيراً عن مكانة اعتبارية للذابح؟
في العودة إلى الحمامة، والعلامة الفارقة في صورتها ورمزها، لتصبح العلاقة أكثر تميزاً بالمفارقات: لا غرابة أن يكون الدموي، ليس هذا الذي نستهجن سلوكه، ونعتبره عدوانياً أو همجياً أو سفاحاً باختصار، إنما ما نكون نحن عليه من عدوانية فيما بيننا، وفي أنفسنا جهة النظر إلى الدم، ودلالة الدم، وكيف أننا لا نستطيع الاستغناء عنه في عداواتنا وفي الحالات لمعتبرة سلْماً، ولنا في التعامل مع الحمامة، وتلك الأسماء التي نعرَف أو  نسمع بها بصدد الطيور الكواسر أو اللواحم، ليكون وراء أسناننا أنياب ومخالب أكثر فتكاً من الضواري والكواسر، ولا أكثر من الأمثلة التي يسهل النظر فيها، أو النظر فيها، في استعداد هذا أو ذاك شخصاً أو طرفاً، للنيل من سواه بدعوى خصومة معينة، وبمبرّرات لا أوهن منها، بقتله أو التمثيل فيه أو الاستعداد لإبادته بنشوة لا مثيل لها، لا نظير لهذا المأخوذ بشهوة الدم، حتى في الوسط الحيواني !!؟؟

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

باسم اتحاد كتاب كردستان – سوريا، ندعوكم لحضور حفل توقيع ديوانين شعريين لكل من:

الأستاذ حاجم موسى
الأستاذ هشيار إمري ليلي

📅 السبت 06.06.2026
🕓 الساعة 16:00

📍 العنوان:
Reisholzer Bahnstr. 33, 40599 Düsseldorf

<p data-start="648"...

روني علي

في الجلسة الأولى
كانت الريح أشد فتكا بسنابل القمح
وفستان الكلمات كان ..
قصيرا جدا جدا
كل من على الشرفات تنحنحوا
كل من في الزنازين تمتموا من أنوفهم
والعيون كانت ..
تترقب معاصم أُدخلت قيود العنة
ولم تبرح صريرها

في الجلسة الثانية
كان السوط يلعق عنق السماء
تاهت أبجديات الحرية في استحضار الشعارات
حينها .. كان وحيدا
يتمدد على بساط من أنياب الذئب
ويستمع إلى نشيد ..
يصدحه غراب…

شعر: تنگزار ماريني

ترجمة عن الكردية: فواز عبدي

الاتكاء على
بابٍ مهترئ من خشب ميت،
يلجم آخر صقيع الشتاء.
عينا الشمس،
مذهولتان ومرتجفتان،
لأنهما تحدقان من عمق

فوهة الخوف.

تشدّ جذورها بالسماء،
أسلاكاً مقطوعة من أصواتٍ راحلة،
والإنسانية
كظلال تشرين، تجري كحصان رهوان،
تبحث عن نيران
انطفأت منذ زمن.

قطاراتٌ فارغة
تشقّ الدروب المتجمدة،
وجسد الكون يجرّ أسرار القرون.
سماءٌ مزينة بغيوم ثقيلة، خاوية كمقبرة
والريح لا تحمل سوى صوت التهشم.

ارتجافات الحياة تتقرح في…

ولاتي مه – خاص

أعلن الباحث واللغوي الكردي محمد أحمد رشيد عن صدور الطبعة الثانية من مؤلفه اللغوي “فرهنگا سوبارو”، وهو معجم كردي–عربي يتميز بمنهجية فريدة تعتمد على ترتيب المفردات وفق نظام الرَّوِيّ والقافية (الرێزبەندی/السەروايی)، في خطوة تهدف إلى تقديم خدمة علمية وثقافية للباحثين واللغويين والشعراء والمهتمين باللغة الكردية.

ويؤكد المؤلف في مقدمة المعجم أن…