« الإنصاف الواعي »

دلدار بدرخان
– رداً على مقال الزميل صبري رسول ” Sabri Rasoul ” بخصوص الشاعر الراحل جكر خوين .
– لم يكن الموقف الذي تَبنيتُهُ في بوست سابق عن الشاعر الكوردي الراحل جيكر خوين من باب التقييم أو بمقتضى إنتمائه الإيديولوجي، و كذلك لم يكن الهدف منه أن أدافع عن أحد أو أتبنى وجهة نظر الأخرين و دعم أفكارهم المؤدلجة بالضد من أفكار ومعتقدات الراحل جيكر خوين، و ما وجدته بالمحصلة أنه فات على الزميل صبري رسول أن الراحل جيكرخوين قد أستبدل في حياته منظومة إيديولوجية يراها سلبية و ” أقصد الإسلام ” بمنظومة إيدلوجية أخرى يرى فيها الصلاح وهي الشيوعية، وبعد ذلك أنقلب عليها ليختار لنفسه إيديولوجيات غيرها كالقومية المطعمة بأفكار رينان الفرنسي وفيخته الألماني بمعناه الشمولي الخلاصي، وبرأيي الشخصي هذه الإعتقادات لا ندينه بها و لستُ بصدد تقييم هذه التقلبات التي عمت البشرية، إلا أن الإيديولوجيات الخلاصية أنحسرت عالمياً لصالح إتجاه الفرد لتحقيق خلاصه الفردي في عصر ما بعد الحداثة،
– ما أردت توضيحه أولاً وأخيراً في بوستي السابق هو تفتيت هذه المنظومة اللغوية المتشابكة والمتحكمة والراسخة دلالياً بعقولنا ، و التي كما أخبرنا به المفكر ” الصادق النيهوم” عنها أنه بمجتمعاتنا الشرقية ” كلما زادت مفردة بالقاموس خسرنا بالمقابل مفردة في الواقع “
– فلنعترف أن كلمات مثل التدين و الإلحاد و العلمنة و القومية و النضال و غيرها من طوابير المفردات الشاسعة غير متّضحة المعالم بمجتمعات الأنماط الإنتاجي الزراعي المتدني كونها عديمة الخبرة وتستهلك المعرفة ولا تنتجها، هذه المفردات تحمل سمة سلبية أو إيجابية بذاتها، وتفتيت هذه السمة هو من صلب عمل المثقف .
– إذ لا يمكن للمفردة أن تحمل قيمة سلباً أو إيجاباً بذاتها فقط وإنما الأمر منوط بما تحققه هذه المفردة في الحضور الواعي أي في الضمير الجمعي ، وعالم الأفكار مليء بهكذا أمثلة حتى باسم ” العلم ” وعلى الرغم مما تبدو فيه هذه المفردة سامية بدلالاتها و إيجابية بالوعي العام قد تبنى نظريات عنصرية عليها تدّعي تفوّق عرق ما أو جماعه ما على سواها من الأعراق وهو ما حدث تاريخياً ، و بالمقابل فإن كلمات ذات دلالات إيجابية مثل كلمة ” الثورة” مثلاً على حضورها الإيجابي أيضاً بعقل الغالبية الواعية من فلذات أكبادنا قد تكون بحقيقتها ثورة شوفينية عنصرية و إرهابية لا تحصد سوى الخراب والدماء، ونفس الأمر ينطبق على مفردات كالتدين والإلحاد أيضاً .
– ما أردت توضيحه بالمختصر أنه علينا تفتيت هذه المنظومة اللغوية أولاً ليسهل علينا الخلاص منها أي الإنقلاب عليها، بالقيام بثورة على اللغة نفسها بتطليقها ودون تحميلها أدنى قيمة لمجرد كونها لغة فقط ، و بالنهاية فالإلحاد بقدر ما هو منتج للفرد المعتنق، وبقدر ما يحقق سلام داخلي وداخل في الضمير الذاتي هو محترم وله قيمة وحضور، والإيمان بقدر ما هو مؤذي للمعتنق هو سلبي التقييم على ما يترتب عليه من أثر والعكس بالعكس أيضاً صحيح، و عدم ربطها بالنتيجة و السياق أو عزلها والحكم عليها لذاتها هو من سمات أي مجتمع متخلف ،
وبرأيي لا يضر الراحل جيكر خوين كونه ملحداً أو مؤمناً  فهو خيار شخصي بالنهاية، و لا أتفق مع نظرة الأخ جمال للأمر تبعاً لمرجعية إيديولوجية للتقييم والإستشهاد بالآيات للحشد والتبرير، وإنما دارت الدوائر في بوستي حول كلمة الإلحاد ومعناها اللغوي، وهذا ما اردت توضيحه وتفتيته لغوياً ولم أقصد غير ذلك .
– و ما أتفق فيه أن الراحل الكبير كان يعتبر نفسه بصدق ملحداً فقط بالمعتقد الإسلامي تحديداً وهو أمر لا ينبغي أن يُعاب و هي حرية مصونة، وعلينا أحترام إتجاهه ما دام ضميرياً متعلق فيه، والإلحاد أيضاً تدين ومعتقد فكري بمعنى موقف من أسئلة غيبية لا يمكن التثبت منها علمياً وبرهانياً بالنفي من وجود آلهة، أو إله بردِّها إلى المادة و الطبيعه أو المصادفة، و أياً كان الجواب هو تديّن بالنهاية، أما الغير طبيعي هو أن تصبح هذه المفردات في مجتمعاتنا غير قابلة للتفتيت والمساس و أن تترجم بالعقل الواعي بالسلب والإيجاب أو وسيلة للتفاضل و التقييم و طريقة لإثبات الخيرية والصلاح .
– ويستشهد الزميل صبري رسول في مقاله بمحنة المعتزلة وكيف وهم سادة العقل بطشوا بخصومهم من أتباع إتجاه التعبد بالنص ” الحنابلة ” ، لكن ما فات الزميل أن السلطة تُقرّب هكذا إتجاهات وتدفع أخرى مصلحياً، و هكذا إتجاهات لا تُرسّخ بالمجتمعات الطامحة للحضور الإمبراطوري لأنها أفكار صحيحة وجيدة، ببساطة إتجاه النص ساد فيما بعد على الإتجاه العقلي المعتزلي لأن ما يحققه هؤلاء من مصالح وصلاحيات للسلطة أوزن من أتجاه الإعتزال العقلي السمح وطاعة السلطان وتثبيت أركانه كان أهم من أي أعتقاد
–  وبعدها ترسّخ الإتجاه الأشعري دوناً عن بقية الإتجاهات العقدية بما يسمى تجاوزاً بعلم الكلام لمصلحة السلطة أيضاً ،
– الواضح أن التكفير ليس مرتبطاً بالعصر العباسي كما أورد الزميل صبري رسول، أعتقد أن جذور التكفير ضاربة بالتاريخ
وتتخذ أنماط عدة وما أحكام الهرطقة بعد ” مجمع نيقية ” على المخالفين للطبيعة الإلهية للسيد المسيح إلا غيض من فيض، ويصح القول أن لها جذور في اليهودية وفي الديانات الوثنية أيضاً .
– خُلاصة الكلام لروح الراحل العظيم جيكر خوين السلام والخلود، ملحداً كان أم مؤمناً ،شيوعياً كان أم مسلماً، قومياً كان أم ليبرالياً فكل هذه الإيدلوجيات لا تعني الصلاح ولا يمكن الإستشهاد بها لتبرير الواقع، ما يعنينا من نتاجه كأخر الشعراء الكلاسيكيين هو بث الوعي القومي بين أبناء شعبنا بوقت حالك كانت فيه هذه الشعلة تذوي وتأفل .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…