هل مزّق الشّعر الكردي معطف الكلاسيكية؟.. أمسية شعرية في إيسن

صبري رسول
قد يخطر على بال القارئ أنّ هذا المقال سيُجيب عن سؤال العنوان، سيذهب خياله سريعاً إلى مقارنة ارتجالية بين قصائد آباء الشّعر الكردي وما ألقاه الشّعراء المشاركون في الأمسية المذكورة. الإجابة عن ذلك السّؤال شائك، وتحتاج إلى أكثر من دراسة نقدية موسّعة، أما هذا النصّ يتناول عموميات الأمسية كنصّ انطباعي لأحد الحضور.
إن الشّعر يتخطّى مفاهيم الإنشاء، إلى أن يسير في هضاب اللغة بحثاً عن جماليات ماتعة وما تحمله من الصور، «تشابيه، استعارات، مجازات لغوية» ، لأنّ الشّعر من غير ذلك  لن يكون قابلاً على الانفتاح، والقراءات المتعددة. لكن للأسف السّاحة الشّعرية الكردية أصبحت كـ«طبخة الغجر» إذا صحّ التعبير، فكلّ عابرٍ إلى السّوق أصبح شاعراً، وكلّ قادمٍ من ديوان الأمير بات شاعراً أيضاً، لأنّ النّاس استرخصوا الكتابة، وتسلّقوا مرتفعات الأدب من دون مخزونٍ معرفيّ.
لكن بخلاف الأمر في السّطرين الأخيرين، استمتعتُ بقصائد بعض الأصدقاء، التي كانت بارقاتها تسيل وتتدفق، وإليكم السّرد عن الأمسية.
نظّمت مجموعة من الشّعراء والشّاعرات أمسية شعرية في مدينة إيسن الألمانية يوم الأحد 23 حزيران في مركز عفرين1 حضرها عدد من الشّعراء والكتّاب والمهتمون بالشّأن الثّقافي الكردي.
بدأت الأمسية بمعزوفة موسيقية جميلة على الغيتار والطنبور من قبل الفنانين فرهاد وخوشناف، رحّبت الشاعرة فريال حميد بالحضور، ثمّ قدّمت للجمهور الشّاعرة يلدز جكار التي ألقت قصيدتين، استغرقت تسع دقائق، كانت القصيدة الأولى جميلة ومليئة بالصّور الشعرية، إلا أنّها أخفقت في أدائها الذي كانت أقرب إلى القراءة العادية منه إلى إلقاء نصّ شعري.
ثمّ عرّفت فريال حميد الجمهور بالشاعر هوشنك بروكا الذي ألقى بدوره قصيدتين تميّزت الأولى بالنفحة الحداثية الجميلة إلا أنّ الفواصل الزّمنية بين جملة وأخرى في الإلقاء، والضّغط على مخارج بعض الحروف في الجمل الأخيرة، إضافة إلى وجود التّكرار في العبارات (ربما للضرورة الشعرية) كانت تكسّر السلاسة والتّدفق الشّعري. 
كان مروان عثمان هو الثالث في الإلقاء، فألقى قصيدة:
  li vir tê li wir dimîne –  Ew Peyaو كانت القصيدة الثانية مليئة بالدلالات التاريخية ورموزها، وصور لافتة للنظر معتمداً على تلك الإشارات. لكن هو الآخر لم يكن أداؤه الشّعري مقنعاً. 
سرحان عيسى القادم من العمق الكردي ألقى قصيدة واحدة، شدَّت الصّور الشعرية فيها المستمع، وخطفت خياله ليستمتع بالصّور الشّعرية المفعمة بالتّراث الكُردي، تميّز سرحان بهدوء الإلقاء وتقنية خفض الصّوت ورفع النّبرة في الجمل والمقاطع المناسبة.
أما هيمن كرداغي الذي غاب عن جهور الشّعر عشرين سنة، وفق كلامه، عاد بقصيدة جميلة للغاية، كان لوقع صورها أثرٌ كبير في إحداث المتعة الشّعرية. «المدن نسيت رائحة التّراب- أعرف ضياعي في الفيافي». للأسف تميّز إلقاؤه الشّعري بالضعف الواضح.
ثمّ قدّم هيمن كرداغي الشّاعرةَ فريال حميد، فألقت بضع قصائد قصيرة جميلة. كان كلّ قطع شعرية يحمل فكرة واحدة، واتّسمت بعض المقاطع بشيفرات لغوية، بسيطة في التّغبير، عميقة في الدلالات، كان لقصيدة حبّة القمح، وقع مؤثر، رغم أنّها كانت قصيرة لكنّها تلخّص سيرة الحياة لحبّة القمح، وانتهت بقفلة ممتعة: أصبحت رائحة الخبز من نصيب الفقراء:
Hilma Nên bû para hejaran
رائحة الخبز
أصبحت
نصيب الفقراء 
كان ذلك مجرّد انطباع شخصيّ، أو لنقل: قراءة انطباعية. 
فلتكن وجهة نظري عن الإلقاء باللّغة الكردية:
كانت محنكة في الإلقاء، والتعبير عن القصيدة بصوت أنثوي جميل وهادئ.
سأصوغ وجهة نظري عن الإلقاء الشّعري بشكل عام بالكردية:
Min guh da helbestên xweş û bi wêneyan helbestî yên dewlemend, lê Xwendina  qels baskên bedewiyê jêkir.
Helbest ger helbestên xwe bi serketî bixwîne bedewiyeke zêde bi dest dixe.
وترجمة الرأي: 
لقد استمعت إلى أشعار جميلة وغنية بالصّور الشّعرية، لكن القراءة الضّعيفة قطعت أجنحة الجمال.
 إذا ألقى الشّاعر قصائده بشكلٍ جميل سيكتسب شعره جمالاً.
القصيدة الأولى لكلّ شاعر كانت لوحة جميلة، فانصبّ تركيزي على النّصّ الأول لكلّ منهم.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…

نصر محمد / ألمانيا

1.العنوان – التشخيص الأول

” ثقبٌ في ترقوة الأيام ”
الترقوة هي العظمة الرقيقة التي تربط الكتف بالصدر ، التي تحمل القلادة ، التي نضع عليها رؤوس أحبتنا . الأيام عند آفين لها جسد ، وهذا الجسد مثقوب . ثقب لا يلتئم . ومنذ العنوان نعرف أننا أمام زمن مريض ، زمن ناقص .

2….

صدرت عن منشورات رامينا المجموعة القصصية الجديدة «يوم فقدنا أصواتنا» للكاتب والصحفي السوري – البريطاني المصطفى نجّار، لتشكّل عمله الأدبي الثاني بعد روايته «أحلام صائد القطارات» الصادرة سنة 2024، وانتقالاً جديداً في تجربته الإبداعية من الرواية إلى القصة القصيرة.

تقع المجموعة في 106 صفحات، وصدرت في يوليو/تموز 2026، وتضم قصصاً تتحرك في مناطق تتقاطع فيها الذاكرة…