شهداء ولكن

آهين أوسي
بخطوات كهل تجاوز السبعين، ورأس يثقله التفكير، وفكر شارد يعود كما كل يوم إلى بيته صفر اليدين.
تستقبله زوجته كعادتها بسيل من الأسئلة.
هل أحضرت النقود؟
هل قمت بعمل ما اليوم؟
هل ستستطيع أخذ فرح إلى الطبيب أم أنها ستبقى تصارع المرض اليوم أيضا؟.
– استهدي بالله يا امرأة، دعيني أصل إلى الغرفة أولا فوالله قدماي ما عادتا تقويان على حملي، ورأسي يكاد أن ينفجر، خذيني بحلمك فقد أتعبتني هذه الحياة.
– أنا لا أفهم كل هذا الحوار، ما أعرفه هو أنه عليك تأمين المال، ابنتنا متعبة يا عماد حرارتها تتجاوز الأربعين، أقسم أنها تفقد الوعي في بعض الأحيان لا ينفع معها الدواء، إنها بحاجة إلى طبيب بحاجة إلى علاج منتظم، السعال يمنعها من النوم، لم تأكل ولم تشرب منذ البارحة، نفسها ينقطع وأخشى عليها من الاختناق.
يجلس عماد في زاوية الغرفة، يرفع إحدى ركبتيه يضع يده فوقها، ويمد الأخرى ويسرح قليلا…….
– أنت تعلمين يا سعاد أنه وفي هذا الوقت من السنة يقل العمل في السوق، إنه برد كانون يقص العظام قصا،
في هذا البرد يقل العمل لا أحد يطلبنا لحمل الحديد أو الرمل والطوب ، اليوم بقيت جالسا على الرصيف أنتظر أي سيارة تقف وتؤشر لي بالصعود، وأقوم بأي عمل أكسب منه قوت يومي وآخذ فرح إلى الطبيب، أتظنين أنني سعيد بهذا الوضع، أعدك أنت وفرح أنني لن أعود غدا إلا ومعي النقود حتى لو اضطررت للسرقة.
يدير ظهره للحائط في محاولة منه للنوم، وكيف ينام وسعال فرح يملأ الغرفة الوحيدة التي تنام فيها العائلة، الغرفة التي تكاد جدرانها تتهاوى، تحفرها الجرذان من الخارج، وتفاجئهم بوجودها معهم في ذات الغرفة، يتوقف المطر في الخارج ويظل مستمرا داخل الغرفة ،الغرفة الطينية التي تم بناؤها بشكل مخالف على حافة نهر جقجق أو بالأحرى داخل النهر.
يتوجه عماد صبيحة اليوم التالي إلى السوق كما اعتاد ويعود بعد عدة ساعات والابتسامة تعلو وجهه المسمر الذي تملؤه التجاعيد رغم صغر سنه .
ينادي قبل وصوله إلى الغرفة :سعاااااد حضري فرح لنذهب إلى الطبيب.
تخرج سعاد لاستقباله بثوبها الملفوف حول خصرها وتفكه فورا مؤكدة جاهزيتها، وهل تعج الخزانة بالأثواب هو الثوب هذا والثاني ينتظر الغسيل.
– لكن انتظر هل حصلت على عمل ؟
– لا لقد استدنت خمسين دولارا .
– يا ويلي ومتى ستردها وكيف؟
– خليها على الله، سيفرجها الله وسأوفي الدين فقط دعينا الآن نذهب.
قومي يا حبيبة بابا، قومي سنذهب للطبيب، وستتعافين وسأشتري لك الدمية الشقراء التي وعدتك بها، الدمية التي تحبينها .
وصل عماد مع فرح وأمها للعيادة.
لوحة مكتوبة عليها (الرجاء عدم الدخول بدون كمامة) تتصدر العيادة .
وبعد مناوشات وملاسنات رضيت الممرضة إدخالهم إلى غرفة الطبيب.
– مرحبا دكتور.
– أهلا …ضع الصغيرة على السرير ، إنها تسعل بشدة وحرارتها مرتفعة ،منذ متى والفتاة على هذه الحال ؟
– منذ بضعة أيام لكن خلال اليومين الماضيين تدهورت حالتها بشكل ظاهر .
– يا إلهي …..ما هذا الإهمال ،كيف تهملون أطفالكم بهذا الشكل، حرام أن يطلق عليكم اسم أب وأم.
فعلا العقل زينة .
– لكن يا دكتور أقسم لك أني لم أكن أملك مالا لأخذها لأي طبيب ،لم يكن معي حق المعاينة.
يردد عماد في نفسه وهل كنت ستتنازل عن معاينتك لو أحضرتها إليك.
وبوجه عابس يملؤه الغضب يطلب الطبيب منهم أخذ فرح إلى تصوير الطبقي المحوري .
ويكتشف الأبوان أن فرحاً مصابة بفايروس كوفيد أو ما نسميه عامة كورونا،وأنها في مرحلة ليس من السهل معالجتها، فقد نال الفايروس من رئتيها الغضتين الصغيرتين .
– ها دكتور ماذا نفعل الآن أرجوك أشر علينا؟
– خذا الطفلة إلى المركز ،هناك رعاية صحية جيدة،ولن يكلفكم ذلك مالا فهناك الخدمات كلها مجانية .
تحول الشارع إلى محيط ابتلع ما تبقى من أحلام عماد وزوجته .
الطفلة الوحيد التي رزقهم الله بها بعد سبع سنوات ما مصيرها، وأي حال ينتظرها.
شريط من الذكريات يمر أمام عيني عماد كفلم سينمائي.
كيف كانت اللحظة التي استقبلت بها سعاد زوجها لتخبره بحملها، وكيف مرت الأشهر التسعة كأنها تسع سنوات، ينامان جائعين ليلة والليلة الأخرى يأكلان ما تيسر لهما وهي الحامل التي تحتاج إلى الرعاية والغذاء الصحي ، ورغم ذلك لم يكن الحزن يعرف طريقا إلى قلبيهما وهما ينتظران مولودهما الأول.
استقلا سيارة أجرة وتوجها إلى المركز.
يخبرهم طاقم الممرضين أن على أحدهم البقاء مع فرح بينما الآخر فعليه الذهاب، فليس من الممكن بقاء الاثنين في المركز.
– قم يا عماد، اذهب إلى البيت وأنا سأبقى مع فرح .
– لكن كيف أتركها بهذه الحالة لا لا لن أذهب.
– اذهب يا عماد فالنظام هنا يطبق على الجميع، ولا تشغل بالك إنه رب كريم رزقنا بها بعد سبع سنوات، ولن يحرمنا منها، أملي بالله كبير.
يعود عماد أدراجه منكسرا، جبال من الهم تثقل كاهله، ليلة بلون القطران، كيف ينام، كيف يهدأ، التفكير يقض مضجعه.
– هل كنت السبب في ذلك ،لو أني كنت أمتلك حرفة أو صنعة لما كان هذا حالنا، طبعا وأي مصير ينتظر شخصا فاشلا لا عمل له سوى الجلوس على أرصفة الشوارع وانتظار سيارات الأغنياء ليطلبوا منه حمل رمل أو إسمنت أو طوب.
أهي أقدارنا أم مهاراتنا في هذه الحياة البائسة؟
سؤال يتلو سؤالا،وألم يعتصر قلبه، براكين تغلي في صدره على وشك الثوران، يمنعه كل ذلك من النوم، وينتظر إشراقة الشمس علها تحمل معها الخير لهم.
يعود عماد إلى المركز في اليوم التالي ويأخذ معه الدمية الشقراء، ويضعها في حضن فرح التي لم تفتح عينيها لرؤية دميتها المفضلة، والتي باتت أنفاسها تتحشرج تحت مضخة الأوكسجين.
– ألم تفتح عينيها؟
– لا
– طيب والعمل؟
– إنهم يراقبون وضعها ونحن نتأمل خيرا.
الممرضة: على أحدكم الخروج، واحد فقط يسمح له بالبقاء.
– حسنا يا عماد اذهب وتعال بين الفترة والأخرى لتطمئن عليها.
ليلة مضت في هدوء قاتل ،جدران الغرفة باتت أشباحا ،الصمت سيد المكان ،والخوف والكآبة يستحوذان على تفكيره.
ومع بلوج الصباح توجه عماد إلى المركز .
بقدمين مكبلتين بالحديد وجسد متخشب يمشي عماد في ردهات المركز، أنظاره تتنقل بين غرف المركز ،يفحصها غرفة غرفة يبحث عن سعاد وفرح .
أين ذهبت سعاد بابنتها ،ولماذا خرجت من الغرفة التي وضعت فيها فرح؟
بدأ التوتر يبدو عليه لكنه تمالك نفسه قليلا ،تثاقلت خطواته أكثر فأكثر، توقف في مكانه لتعلو صرخته …أين فرح؟.
صوت من خلفه يتردد كأنه قادم من الجحيم ،صوت متعب مليء بالألم مليء بالانكسار .
– عمااااااد فرح………..فرح ماتت يا عمااااااااااااد .
سقط عماد على ركبتيه لتسقط بالقرب منه سعاد وينهارا من البكاء، ويريا بعد ذلك ملاكهم الصغير داخل كيس أسود.
دفنت فرح في مقبرة الحي (قدور بك) وأسندت الدمية الشقراء ظهرها إلى شاهدة القبر، لكن روح فرح رفضت البقاء هناك، وذهبت لتحوم فوق مقبرة الشهيد دليل صاروخان (مقبرة الشهداء) وظلت تتراقص هناك كلما أشعلوا الشموع على أضرحة الشهداء.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…