حين تعطش اسماك الذاكرة

نصر محمد / المانيا 
– حين تعطش أسماك الذاكرة في محل “ايس كافيه” الكائن في مدينة هيرنة الألمانية والذي أسميناه نحن العاموديون بمقهى “كوي” تيمناً بمقهى كوي الموجود في مدينة عاموده ، لأن أغلب روادها من عامودا، جلست في زاويتي المعتادة مع كوب الكابتشينو. وأنا اقرأ رواية “حين تعطش الأسماك” للصديق الروائي العامودي حليم يوسف. كان ماسي، بطل الرواية، وماسي يعني السمك في العربية، يغرق في حب بيريفان التي اختفت فجأة. وتبدأ رحلة ماسي الصعبة في تتبع آثار حبه، ويقوده قلبه الى الجبال حيث بيريفان التي سبقته الى هناك حاملة سلاحا خفيفا للقتال في سبيل الحرية. لا يواجه ماسي جيوش الأعداء وإنما حر الصيف القائظ، فيعطش وما من ماء، وتعطش روحه الى الحرية وما من نقطة ماء في تلك الجبال القاحلة تطفئ عطشه التاريخي.
في تلك اللحظات التي كان ماسي يبحث عن أي شيء يشربه، وصلتني رسالة من الصديقة الشاعرة فاطمة غيبور من السلمية على الواتس، والتي تعرفت عليها حديثاَ عن طريق صديقتنا الدكتورة الشاعرة ريما فاضل محفوض السلمونية الأصل، لإجراء حوار مطول معها عن الأدب والشعر.
عندها طلبت منها الإتصال هاتفيا، فرحبت بالاقتراح. بعد الاطمئنان عليها والسؤال عنها، ذكرت لها حادثة حصلت معي قبل اكثر من ثلاثين سنة. كنت معلما وكيلا في احدى مدارس قرى محافظة الحسكة. عندما ذكرت لها اسم الأستاذ أحمد غيبور المعلم الذي كان يدرس في القرية المجاورة للقرية التي اعلم فيها، قاطعتني قائلة: -ليكون قصدك على مدرسة جان تمر؟ قلت لها: – نعم انها هي مدرسة جان تمر. وتابعت حديثها قائلة: -لقد كنت مديرة المدرسة وزوجي الأستاذ أحمد كان معلما معي.
حينها تزاحمت أحداث تلك الأيام في مخيلتي كشريط فيلم سينمائي. كنت مشغولا بتعليم درس اللغة العربية لطلاب الصف الرابع الابتدائي، حين دخل علينا تلميذ من المدرسة المجاورة ( جان تمر غربي ) قائلا: – أستاذنا في المدرسة يدعوك لشرب فنجان قهوة والتعرف عليك. ولبيت دعوة الأستاذ في صباح اليوم التالي. بعد السلام والتحية سألني الأستاذ أحمد: – ماذا تشرب؟ لدينا الشاي والقهوة والمته. شو رأيك بكاسة مته أستاذ نصر؟ فاعتذرت منه ورفضت عرضه بلطف. ولم يكن يعلم بأنني حينها لم أكن أعرف المته. كان عمري تسعة عشر عاما ولم أكن قد خرجت خارج حدود محافظة الحسكة. قال لي الأستاذ أحمد ممازحا: – المته مشروب صحي كالشاي والقهوة وليس كالخمر، وهو ليس من المشروبات الروحية. بعد شرحه المسهب عن المته، استجبت لعرضه: – إذن لابأس بشرب كاس من المته. واذا بأحد طلابه يحضر لنا ابريقا من الماء المغلي و مع كأسين للشاي ومصاصتين. وفي كل كأس بعض الحشائش كالزهورات. كانت تلك هي المرة الأولى التي أتعرف فيها على المته. وفي تلك الأثناء كان لديه حصة الرياضة وكان أغلب طلابه من الكرد الأيزيديين. رسم أحد الطلاب دائرة حول طالب ايزيدي، فأبى ذلك الطالب أن يخرج من الدائرة، إلى أن فتح صديقه الباب للخروج من الدائرة. تماشيا مع المعتقدات الدينية الايزيدية. بعد الإنتهاء من هذا الشريط السينمائي، عدت الى فاطمة وطلبت منها التحدث مع زوجها أحمد غيبور للاطمئنان عليه وعلى صحته وأوضاعه المعيشية، وعما فعلت به هذه السنوات الغابرة.
يسألني نادل المقهى إن كنت أريد شيئاَ، ومن شدة ذهولي يكرر السؤال الذي لا أعرف إجابته، غير انني أطلب الحساب وأغلق المكالمة بعدها. فيما كان ماسي، بطل رواية “حين تعطش الأسماك” منهمكا بالبحث عن حب ضائع وعن قطرة ماء في جبال بعيدة ملفوفة بالقيظ والعطش. إنتقلت عدوى العطش إلي، ولا أدري فيما إذا كان عطشا إلى الماء أم إلى عودة أيام غابرة مضت ولن تعود، أم إلى كمشة ذكريات باتت النافذة الوحيدة للروح، للاستمرار في الحياة

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

مروة بريم

تسألني انتظارها بلطف، أختارُ مقعدًا في الصفوف الخلفية، وتختفي في إحدى أُبهاء الكنيسة لبعض الوقت، أراقب بصمت تفاصيل المكان، بعضهم مستغرقٌ في صلاته، وآخرون في حركة وقورة ومهيبة بين المقاعد، يبدو تمثال السيدة العذراء في صدر المعبد كغيمة تعلّقت بها العيون وهي تتأهّب لتنفيذ ميثاق الهطول بعد طول جفاف. يتدفق صوت الأرغن كماء عذب…

تنكزار ماريني

إنَّ رواية “مالينا” لإنغيبورغ باخمان ليست مجرد كتابٍ يُقرأ، بل هي مواجهةٌ مع نمطٍ مغايرٍ من التفكير والشعور؛ إنها قصة امرأةٍ تتداعى وتتحطم أمام عالمٍ لا يجد متسعاً لمشاعرها العميقة.

ما هي “الأنا”؟
البطلة كاتبةٌ تتسم بحساسية مفرطة، تنشد حباً مطلقاً. تعيش في شقةٍ مع رجلين، أو بالأحرى، مع وجهين لذاتها:

إيفان: حبها الكبير، لكنه يمثل عالماً…

اطلعنا على ما نشره الاستاذ محمد كلش حول مؤتمر فيدرالية اللغة الكردية، ومن منطلق الاحترام المتبادل، وحرصًا على توضيح الحقائق للرأي العام، نورد بيان الآتي:

أولًا، إن انسحاب الأستاذ من المؤتمر كان قرارًا شخصيًا اتخذه قبل انتهاء أعماله، ولذلك لم يشهد بنفسه جميع الجلسات والقرارات والنتائج النهائية، واعتمد في كثير من استنتاجاته على ما نُقل إليه…

نظّم مكتب منتدى الكلمة الحرة، بالتعاون مع منظمة أحلام صغيرة، دورة تدريبية بعنوان “فن الإتيكيت والبروتوكول الدبلوماسي”، وذلك في مقر المنتدى بمدينة قامشلو، بإشراف المدرب الدولي عبد الرحيم مقصود.
وشهدت الدورة مشاركة 30 ناشطة وناشطًا، حيث تناولت محاور متعددة تتعلق بقواعد الإتيكيت وفنون التعامل الرسمي، وأسس البروتوكول الدبلوماسي، وآداب التواصل، وآليات بناء العلاقات المهنية، بما يسهم…