أن تكون في آكَرى ثقافياً…

إبراهيم محمود
لم أزر آكرى من قبل، آكرى المدينة الكردية التي يكون ظهرُها الجبل، ومرتقاها الجبل، وطريقها الذي يشقها يتهادى أرضياً كما لو أنه يريد مصافحة كل البيوت التي تمتد وهي مأخوذة بالهواء الطلق، وينتظرها، وقد أصبح الجبل خلفاً، سهلٌ ينتعش منبسطاُ بدوره، وقد تناثرت بيوت ومحلات على جانبيه.
مررت فيها ومنطلقي دهوك، عابراً بعدها  شقلاوة الجديرة بأن تُعرض زينتها..
وحين وقفت فيها اليوم” الخميس، 8-8-2024  ” لإلقاء محاضرة في مركزها الثقافي، المركز الذي تحمله الأرض على هضبة تمنحه شرفة مشاهدة آكرى، وقد تنوعت مقامات بيوتها جمالياً.
وقفت فيها، وأنا ألتفت حولي، لأرى الجبل بالمقابل، وفي الطرف الآخر أشطاراً من المدينة، تقاسمت فراغات محروسة بسياجات جبلية، وأطربني المنظر في وحدته. وأنا أسائل نفسي، كيف لم أقف فيها من قبل. وتمنيت ألا أتحرك بعد هذه المدة الزمنية المحدودة، للمحاضرة.
تمحورت المحاضرة حول كتاب الباحث والأكاديمي الكندي آلان دونو” 1970- ..”، والذي ذاع صيته” نظام التفاهة ” الصادر سنة ” 2015 ” والمترجم إلى العربية من قبل الدكتورة والأكاديمية مشاعل عبدالعزيز الهاجري، والصادر عن دار سؤال ” بيروت، 2020، في قرابة 370 ص “.
بناء على رغبة من قبل كلّ من الأستاذين : آزاد دارتاش، وآزاد مصطفى، جرى الاتفاق على هذا الكتاب موضوعاً للمناقشة مع رواد المركز المعروف بـ الحركة الثقافية في آكرى.
بعيداً عن الاستطراد، كان الحضور لافتاً، ومن خلال تجربتي مع مراكز ثقافية مختلفة، تلمستُ في هذا الحضور ما يبعث على التفاؤل، رغم أن الفصل صيف، ووطأة الصيف. وما يعرَف الحضور به من سوية ثقافية، أكاديمية، وبالنسبة لي، على أن أي حديث عن ” نظام التفاهة ” كتاب دونو، وفي السيق الذي أتحدث فيه، يقف على مسافة بعيدة ومعتبرة من آكرى, وكما تشهد صور ملتقطة حول ذلك .
في تقديم الأستاذ آزاد دارتاش للموضوع ولشخصي، تأكد لي أكثر مما تصورته، وهو وجود ما هو حِرَفي في تعاطي الثقافة، وهذا ما زاد في حماسي المعرفي، من ناحية، وتنبّهي إلى ضرورة تناول الموضوع بمزيد من اليقظة، أبعد مما هو تلقيني، في وضع محتسَب كهذا، من ناحية أخرى.
أشرتُ بداية ،وبعد شكري للجميع على حضورهم، إلى أن الحديث عن الكتاب موضوعاً في محاضرة، يختلف من كتاب إلى آخر، ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن يكون مجرد تذكير بمحتوياته، وبإيجاز، وإنما إشعار الكاتب، ولو عن بعد، برؤية إزاء رؤيته، ليغتني الموضوع.
لاحقاً، نوهت إلى أن دونو الكندي الأصل، والخرّيج الباريسي، والباحث الاجتماعي، والأكاديمي في جامعة كيبيك، له خبرة بما هو عملي في مجتمعه، وكيفية إدارته من قبل مجموعة شركات مؤثرة.
وذكرت الكتاب بفصوله الأربعة: المعرفة والخبرة، التجارة والتمويل، الثقافة والحضارة، وثورة. إنهاء ما يضر بالصالح العام، والخاتمة : سياسات الوسط المتطرف..
وركَّزت على أن الشهرة التي حازها الكتاب، أكبر مما فيه من أفكار، فثمة كتب سبقته، وفي السياق نفسه، ولا بد أن هناك إعلاماً أو حركة إعلامية وراءه” أفكار، زيمّل، الذي تأثر به دونو، فالتر بنيامين، بجلاء، وهناك زيجمونت باومان…إلخ ” عدا عن مخطط الكتاب .

” في حديقة المركز، بعد المحاضرة، والخلفية جوانب من جماليات آكرى “
أفصحت عن أن الكتاب يقوم على تواجُه أمرين: المعرفة ضد الخبرة، أو بالعكس. في المجتمع الكندي ، الفضاء الحي لتصوراته وتجاربه وأفكاره، والمجتمع الأوربي، ومجتمعات أمريكية، حيث إن عنوان الكتاب ” La Médiocratie” بالأصل يعني: سلطة الاعتدال. هناك انزياح. الوسط هنا يمثل هذه التفاهة المزكاة موضوعاً للنقاش. إن الجهات المسيطرة على المجتمع، من خلال فئة معينة، تتمثل في شركات متنفذة، هي التي تحيل كل شيء إليها ثقافياً، كل ما هو ثقافي، علمي، من الجامعة، إلى المؤسسة، إلى أي جهة ثقافية، لقولبتها حسب مصالحها، تأكيداً لاستهلاكيتها.
الأمثلة كثيرة. في ” التجارة والتمويل ” يستحيل البشر بدورهم سلعاً، والأمثلة كثيرة جداً، هكذا الحال مع ” الثقافة والحضارة “.. ليأتي الفصل الأخير مفاجئاً بمحتواه. إذ إن إظهار النفق مسدوداً في الفصول السابقة، والخراب التدريجي في أوصال المجتمع في كندا وخارجها، حيث الجشع يتنامى، وبتأكيد دونو، إذا به في الفصل الرابع يطالب بثورة، ووجوب وضع الحد.. هذا خروج عن مخطط الكتاب بالذات، وما في الخاتمة يوضح الفكرة كذلك..
ليس من كليانية في الحكم، لأن دونو نفسه ينتمي إلى هذا المجتمع، وهو ناقده، ويروَّج لكتابه، رغم نقد الحاد للذين حوَّلوا كل شيء إلى سياسة عملية ” حوكمة “، والحيلولة دون ظهور تفكر، وتعمل بطريقتها، وليس كما يُعرَض عليها. وها هو يستمر، ولا بد أن هناك غيره، لهذا فإن المنقود الفئوي، السلطوي، الجماعي والاحتكاري ليس بمثل هذه الوحشية المميتة، إنما ما يخدمه في التعريف بأخطائه، أو نواقصه أو سلبياته، وهو ما نتلمسه في بنية الرأسمالية وهي تجدد نفسها .
هذا ليس مديحاً لها، وإنما مكاشفة لتلك المرونة التي تمتلكها، رغم قسوة أساليبها، ولكنها تبقي ” عيونها ” مفتوحة، مع آذانها، وتستفيد مما يوجَّه إليها من انتقادات، رغم أنها لا تسلّم أسلحتها التي تظهر لمن حولها ضراوتها، وليس هناك، حتى الآن بديل عنها، في ضوء المنجز باسمها، وهو ما يحفّز الذين يتعاملون مع مجتمعات رأسمالية، في كندا وغيرها، بالتروي في النقد، ومن قبل مجتمعات تحتاج إلى الكثير لتعرَف بتلك الليبرالية التي تجعلها تاريخية.
والمثقف هو من يعنى بمثل هذه التوجهات، ودون التحلي بشجاعة الإرادة يستحيل التحول، أو تجاوز السلبيات. هكذا يقول التاريخ، وهكذا يقول قانون التغير..
ولعل النقاشات التي أعقبت المحاضرة كانت غنية وخصبة، مثّلت الواقع المعيش، والذي أفصحوا عن تلك الثقافة التي تصلهم بواقعها، ورغبتهم المؤكدة في أن يكونوا آباء الغد، وهم في التقدير أبناء اليوم.
شكراً لكل الذين حضروا ، وشكراً لإداريي الحركة الثقافية في آكرى.
وأستطيع التأكيد، على أنني ذهبت في ظل فكرة، وخرجت، في ظل فكرة، على أن الثقافة تستحق التضحية من أجلها، وأن ليس من مجهود في سياقها، إلا ويكون جديراً بالتقدير..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…