ما ليس قاموساً

 

إبراهيم محمود

 

لو أن قاموساً وُضِع بآلاف الصفحات
طي عنوان كهذا
” مهجة القاموس في بهجة الاسم المحروس “
يعنيك أنت لا سواك
مدرِجاً كل مشتقات اسمك
كل الدلالات التي تخصها
كل الروايات التي شبت عن الطوق خلالها
كل الرسوم والصور التوضيحية التي تحال عليك
مما يسطَّر هكذا ” من الباء إلى الياء “
لرفضته جملة وتفصيلاً
ولي حجتي المسندة من كل حي وحتى الجماد
فالذي يحبك
ويمضي مأهولاً بلاتناهي حبك
ويراك أكبر مما هو مرئي فيك
أوسع مما أنت متناهية فيه
أعمق مما يعرَف به قاع روحك الذي لا يُسبَر
يعني- ببساطة- أن اسم حبك
غيرَ اسم حبك المتداول
غير وجهك المنظور
غير رائحتك التي تتلمذت الورود على تموجاتها
غير خطاك التي يتنغم بها هواء المكان
غير سدرة منتهى عينيك عاليتيّ الأثر
أن هناك ما لا يحاط بحبك
أن اسمك مجرد إجراء
أخص من كل المشار إليه باسمك
شهودُ عياني ما ليس لهم حصر
تُرى ماالذي يدفع بالنجوم
لأن تنسّب شهوة ضيائها إليك
وليس السماء
ماالذي يحرك الورود لأن
تحاط ببهائك
وليس بحديقتها ذات الصيت
ماالذي يُبقي الينابيع مصرة
على السكنى في صفاء وجهك الأسطوري
خارج جيوبها المائية
ماالذي يدفع بالأنهار نفسها
تنام بين أناملك التي
تضاء بها أعماق الغابات
وليس مجاريها ذات العراقة
ماالذي يحرّك الصخور نفسها من أماكنها
ليس بدافع التنمل أو الخدر في تكوينها الصخري
إنما اعترافاً أن فيض حضورك يفجّر فيها روحاً
لتخرج عن قانونها المادي المعتاد
ماالذي يبقي الأمواج ملهوفة إليك
أكثر من أعماق بحارها مرهوبة الجانب
أليس لأنها تهتدي إلى مراسيها الشواطىء
بجاذبية مشعة من مدارات عينيك
ماالذي يبقي الأرض نفسها تسكن إليك
ماالذي يجعل مبعث فخار لها
تاركة دورانها حول الشمس
شعوراً أزلياً منها أن دون اسمك
تكون دون اسمك
ماالذي يثير القشعريرة في جسد اللغة عينها
إذا أسنِدت إلى مجرد كلمات ورقية
أليس لأن مضاء الحركة
في أن تنهض أسماء
وتستقيم أفعالاً
وتتجاور ضمائر متصلة ومنفصلة
وتخفق داخلها المعاني
استناداً إلى ميكرفيزياء الروح الكونية المحررة باسمك
وما الذي يجعل الوطن مقرَّباً
محبباً
من العين
من القلب
من الروح
إلا لأنك نموذجه الأعظم سمواً في الوجود
لو أن قاموساً تضمَّن آلافاً مؤلفة من الصفحات
في اسمك ومعانيه
لرفض خروجه باسمك
مدرِكاً ومقدّراً
أن اسمك غير كل الأسماء
أن معاني اسمك غير كل المعاني
أكبر من كل قاموس
أليس لأنك سرك أكبر من كونه سراً
أن هؤلاء الذين يحرقون أنفسهم
حباً وسعياً إلى التوحد مع أثر متبقَّى منك
يقتلون ويتقاتلون
يصبحون شياطين وقديسين
يتحولون إلى نساك ودهريين
إلى مهابيل ومتصوفين
يستحيلون مشاهير ومجهولة
تعرفهم الصحارى والأراضي المعمورة
يتناوبون على اسمك:
شعراء
كتّاباً
فنانين
تهيم بهم قلوبهم وخيالاتهم
في جهات المعمورة
يمضون ويأتي غيرهم وغيرهم
يظهرون في واجهة  التاريخ
وتدور حولهم أمهات الروايات
وهي تستقي مبرّر مآثرها الكتابية والفنانية منك مباشرة
وما كان لهم أن يكونوا هكذا
لولا أنك لم تكوني أنك أنت
كما يشهد باسمك
لك
عنك
كلٌّ من التاريخ والجغرافيا
ملاحظة: ما حرّرته باسمك يعنيني أنا حصراً، ولا يمثّلك إلا تجاوزاً، وإلا لما كان للذي أُتيَ على ذكره أي معنى. أي قيمة.
خذي بذلك علمي قبل أي رد فعل…!

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عامر عثمان ” إيفان “

لَنْ تَكُونَ المَدِينَةُ فَاضِلَة

وَلَنْ يُرَتَّبَ الزَّمَنُ حَيْثُ نَكُون

أَضْحَتْ كُلُّ الوجُوهِ رسُومَاً دُونَ تَفَاصِيل

أَمَا آنَ للموَازين أَنْ تَرَتِّبَ العَدَالَة العَاقِر ؟

فَلا كِيميَاء كَمَا نَقَاء إِيمَان السَّمَاء

العِلْويّ الرَّزين

أَبَدَاً . . .

لا كِيميَاء . . .

 

عبد الستار نورعلي
في الليلِ
ناداني الكتابُ
وفتَّحَ الأبواب، قالَ:
“هيتَ لكْ”!
أسرعْتُ..
ملهوفاً إليهِ،
دخلْتُ فصلاً….
بعدَ فصلٍ….
بعدَ فصلٍ….
بعد…..
لم أجدْ..
،”فصلَ الخطابِ”؛
حتى أضعْتُ
وفي غيابي
بينَ طيَّاتِ الحسابِ
رقمَ السُّؤالِ،
رقم الجوابِ،
لكنَّ “مصباحَ ديوجينوسَ”
أهداني القرارَ،
وسلَّمَ
عنْ طيبِ خاطرِهِ
مفاتيحَ الجوابِ،
فنمْتُ….
والأبوابُ مُشرعَةٌ،
وفي أيدي الليالي..
كانَ رأسي (جَرَّةً)،
تسكبُ ماءَ العينِ
في كؤوسِ جُلَّاسي:
منَ الأقلامِ
والأوراقِ
والكلماتِ
عشّاقِ الشَّرابِ….

(الخميس 30 نيسان 2026)

صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد…

عبد الجابر حبيب

لا أريد عمراً جديداً،
أريد أن أستردّ يدي من جيب الزمن،
أريد أن أخرج من جلدي القديم
مثل سجينٍ عضَّ قضبانَه
حتى نزف الحديد في فمه.
أريد ساقين لا تعرفان الوهن،
وقلباً مشاغباً
يقذف نبضه في وجه الوقت.

أريد أن أمشي
حتى تتشقق الطرق تحت قدمي،
أريد أن أترك خلفي جثث المسافات.
ورائحة البابونج في البيدر.

لا أدري لِمَ
الحصان الذي في داخلي مذعور
يركل أبواب أحلامي،
وكلما…