مات الوطن.. عاش الوطن..

هيثم حسين
“حين يصيرُ الحرفُ في مدينة
حشيشةً يمنعها القانون
ويصبحُ التفكيرُ كالبغاء، واللواط، والأفيون
جريمة يطالها القانون
حين يصيرُ الناسُ في مدينة
ضفادعاً مفقوءة العيون
لا يثورون ولا يشكون
ولا يغنّون ولا يبكون
ولا يموتون ولا يحيون

تحترق الغاباتُ، والأطفال، والأزهار
تحترق الثمار
ويصبحُ الإنسان في موطنه
أذلّ من صرصار..”
هكذا يقول الشاعر نزار قبّاني في قصيدة (الممثّلون). فماذا نقول نحن في نَثْريّة (المتاجرون).
الذلّ في كلّ ما يحمله هو تجريد الآخر المقابل من كلّ ما قد يشعره بشيء من العزّة أو الفخار أو الإنسانيّة.. تذليله، إذلاله، استذلاله.. مع فوارق بيّنة بينها وبين الموصوفين بالمتذلّلين، أو الذَلولين، الخنوعين.  
أن يغرق المذَلُّ في أوحال تنسيه ما كان يفتخر به.. ليحسد الصرصار على ما ينعم به من عزٍّ في مقابل ما يعانيه من ذلّ و إذلالٍ مع كلّ كلمة مهينة بحقّه من هذا الـ “صرصور أو ذاك” إذ يقال: يا صرصور. لا ترفيعاً للنعت بل إمحاء للمنعوت المجرّد من إنسانيّته ليكون أدنى مرتبة من الصرصور الذي به يشبَّه، لتكون المباشرة الصدمة، وليتيه المنعوت بين تخيّل نفسه لا طائراً ولا إنساناً.. يمتلك جناحين قصيرين مستقيمين، تتوه بين الشَعر والوَبر وتبتعد عن الصوف، ثمّ يسارع إلى الذهن أماكن تواجده الاعتياديّة حيث تكون المراحيض هي المأوى المفضَّل لها، وما إلى ذلك من تغذيته على ما يتحاشى المرء ذكره، مع كلّ التقزّز والنفور منه حين طيرانه أو حركته على مقربة من أحدنا.
الذلّ هو في بعضٍ من بعضٍ منه الموت لأنّه أشمل مفهوماً. وإذا ما أسهبنا حفراً في اللغة يكون قرين الموت: التمويت، الإماتة، التماوت، التموُّت، المماوتة، “الاستماتة”، حيث كلّها كلمات مجرّدة لا تدلّ على الزمان أو المكان، ولكنّها تكتسب معناها الحقيقيّ أو الاستعاريّ المجازيّ عند الإضافة، فيكون “الموت”ـ أحدها، تلقاءً، أمراً مفروضاً وواقعاً طبيعيّاً لا مفرَّ منه، ويكون ماعدا الأولى من تدخّل الآخرين، إن كان من باب التعدية أو المزاحمة أو المضايقة أو غيرها من الأبواب التي ما عادت تهمّ حتّى القيّمين على اللغة، المدّعين احتكارها، هؤلاء الذين يعلّبونها ويقوْلبونها، وهي لا تملك إلاّ الرضوخ باعتبارها المفعول به وفيه ومعه خارج الظروف كلّها الزمانيّة والمكانيّة و”الفضائيّة”، وأيضاً خارج الظروف التاريخيّة التي تكون هي المحكّ والفيصل.. وقد تلعب الاستماتة من بين المصادر الموتيّة تلك دورها في دفع عجلة الموت بعيداً مستميتة في سبيل ذلك لتبرهن بأنّها ستتمرّد على كلّ الظروف التي قد تحاصرها .
موت الوطن يضاف إلى قائمة الموتيّات (إن جاز التعبير)، أو إلى قائمة الإماتات أو التمويتات المتسلسلة التي لا تنتهي بموت الوطن. فقد قيل قبلُ وشاع موت الفلسفة وموت الله وموت المؤلّف وموت الطبيعة وموت الدين وموت الموت، وكان كلّ موت في جانب وفي اتّجاه، وكان كلّ موت ولادة جديدة بمعنى أو بآخر، وكأنّه لابدّ له أن يموت ليحيا بعد أن ينال الجدارة والاستحقاق للحياة الأخرى الخالدة بعد الفانية التي كانت تحاصره وتحجّمه و تفرّغه من محتواه الحقيقيّ، ولم تكن تسعى لغير ذلك.
لابدّ له أن يموت ليموت الهوان، ليولد العزّ المنفيّ عنه، المستوحش في منفاه القسريّ.. وليتأبّد أبديّة تضاف إلى الأبديّات المتعارَف على أبديّتها كأبديّة المستقبل أو أبديّة الإله..
كبّر عليه ثلاثاً.. ثمّ كبّر في أذنه ثلاثاً.. سمّه وامنحه كلّ الأذن وحكّمه ضميره بأن ينتسب إلى أيّ ضميرِ تملُّكٍ يختاره، يقيناً لن يختار الضمائر المفردة التي تستفرد به وتقصيه عن جماعيّته المفترَضة، بل سيختار الضمائر الجماعيّة التي تحمل معها كلّ التعاون والمشاركة والجماعيّة.
وعندما يقال بموت الوطن، هذه الفكرة أو هذا الموت أو هذه المِيْتة القديمة الجديدة، القديمة قِدم المفهوم، الجديدة أو التي تجدَّد مع كلِّ تجويف له من معناه ومن قيمته ومن أحرفه التي باتت تعبّر عن نقيضاتها أو باتت متناقضة مع ذاتها بأن يبحث كلّ حرفٍ ذاتٍ لنفسه بين الذوات عن ذاتٍ حرفٍ يليق بذاتيّته أو حرفيّته التي لا يراد لها أن تكوَّن أو تبلور، بل يراد لها أن تبقى تائهة في بحثها التائه في أعاصير مختلقة ومبرمجة حسب مزاج الجهلَة الذين لم يدركوا كنه الكلمة التي يجب أن تبقى نفسها، يجب أن تكون هي نفسها دون قلب ودون إقلاب أو إبدال أو إعلال، إعلال الأحرف بإمراضها، لتدلّ على النقيض الذي ترى فيه نفسها الهاربة منها. أخذاً بمفهوم أنّ الضدّ يظهر حسنه الضدُّ، ولكن هنا يقلب المفهوم بأن يبكي الضدّ المختَلقُ ضدَّه المماتَ المفنَى المقضيّ عليه والمذبوح بسيفٍ مسمومٍ من مجوّفيه الذين لا يرتاح لهم بال إلاّ حين يرونه مرميّاً على الطرقات يستجدي الأحرف أن تعيد له بعض الألق الذي هجره، والشحوب الذي لم يفارقه والذي يتزيّا به زيّاً مراداً له أن يسرمد.
وكذلك لا نشهد نهاية الوطن بموته بل نشهد نهاية (الوطن) ـ الفكرة المتاجَر بها.. نشهد نهاية الفكرة التي يُحاوَل تغييرها إلى ما لا نهاية..
عندما تكون في وطنك ولست في وطنك.. وعندما يصبح وطنك  لا وطنك..
عندما يسود ويقود من لا يدري للسيادة أو القيادة أيّ معنى إلاّ ما يتوهّمه أو يوهَّم له..
عندما تعيش كأنّك لا تعيش..
عندما يصبح الضحيّة الجاني ويصبح الجاني الضحيّة وتنقلب المفاهيم، تناور اللغة وتداور، وتتهرّب من التسمية متذرّعة بالعمى البصريّ الذي ليس إلاّ عمى البصيرة المعمّاة.
عندما لا تكون ويظنّ بأنّك بـ “لا تكونك” إنّما أنت تكون و”لا تكونك” هذه ليست إلاّ ردّ فعل على فعل لا تستطيع معه إلاّ أن تكابر وتهزّ الرأس وتصابر..
عندما يكون الفكر من كبرى الجرائم التي يعاقب عليها اللا قانون..
عندما يكون السائد في الشرع والشارع والسوق والفضاء المسحوب منه الأوكسجين المائعون أو المتميّعون أو المميّعون فألف سلام وسلامٍ على كلّ ذرّة من هواء أو تراب أو ماء..
عندما تريد أن تكون نفسك ويقف في طريقك إلى نفسك أنفس من نفسها قد هربت، وإلى اللانفس وبها قد لاذت، وأُوهمت أنّها الآن فقط قد عثرت على نفسها التي ليست إلاّ هيكلَ من كانته يوماً ما..
عندما تكون محارَباً حيث تكون، أي في وطنك الذي هو هو دون أن يكون في الوقت نفسه هو. هوّيّته تهرب إليك منه، تلوذ بمن تظنّ بأنّه سيعيد إليه “هوّيّته” وهويته المفقودة المستباحة المضاعة في هذا الإعصار وهذا التخبّط وهذا الفنون واللا مبالاة بما سيؤول إليه المصير.
عندما يكون أولو الفضل عليك ـ المدّعون طبعاً ـ وأرباب المنّة هم مَنْ لا يفقهون أيّ شيء مِن أيّ شيء.
عندما تكون، حيث تكون، مستلَباً، غريباً، منفيّاً، مهمَلاً، مغيَّباً، متجاهَلاً، منتَسىً، متناسىً، موضوعاً على الرفوف، مجمَّداً..
.. عندما وعندما.. عندما عندنا هنا أو فيّ أيّ وطنٍ أو مكانٍ تكون كلّ هاتيك الـ”عندمات” يكون لا شكّ الوطن ذاك قد مات.. يعلَن حينها الموت الذي يكون في إجازة وغيبة.. ولا يعلَن الحداد لأنّ هناء سيمحي ذاك العزاء المقدَّم. ولن يعبس المحزون حتّى يتبسّمَ. حسب  قول الشاعر. وستنقلب الساعة الرمليّة، وستحصي ذرّات الرمل الأعمار التي كانت عن الموت غافلة، حين ظنّت أنّه عنها قد غفل إذ أمهلها طويلاً حتّى توهّمت بأنّه قد أهملها ونسيها.
الاغتراب والاستلاب والنفي والإهمال والتغييب والتجاهل واللامبالاة هي العلامات الفارقة والسمات المميّزة “للآن” التي تحصل في كلّ لحظة، و للـ”هنا” التي توجد في أيّ مكانٍ.. وفي كلّ مكانٍ، المقطوعة عن الإضافة للزمان والمكان لتكون مجرّدة من معناها ومن مرماها ومن دلالتها بكلّ دلالاتها. ولتدلّ عندما تجرّد فقط على معناها الذي كان يجب أن تدلّ عليه منذ البداية. فيكون المرء المنتزَع كلّ الصفات مضحّىً به، أيْ يذهب فرق عملة. فرق “وطنيّة” أو “وطنيّات ومزاودات باسم الوطنيّة” البريئة من كلّ متاجرة أو ادّعاءٍِ أو احتكار. حيث عظمة الوطن أنّه هو الوطن الذي يتقدّس اسمه ويتنزّه عن كلّ ما يُلبَّسه من تلابيس هو منها براء براء براء .
فالتجارب تعلّم وتؤكّد بأنّ أكثر الناس ـ المتاجرين ـ حديثاً عن الوطنيّة هم أكثرهم فقداً لها، إذ أنّ البعض من الأدعياء يتقن الحديث عمّا يفقده ويبرع فيه، من باب أنّ الحديث هذا هو باب الرزق الملتاث بلوثة النفاق والتملّق. (أي كرديّاً: باب الرشك rişk).وذلك حين يعاني القائل من عيوبٍ في اللسان والكلام، سواء أكان من تلك العيوب: الحبسة أو اللثغة أو اللفف أو اللجلجة أو الخنخنة ..الخ .
“في البدء كان الكلمة”. كما يقال حسب البعض. الكلمة هذي التي كانت وستبقى السلاح الأمضى، هذا السلاح الفتّاك المزدوج الاستعمال، النقمة والنعمة في آن، هذا الذي هو سلاح الضعفاء في ضعفهم ودلالة عليه، وكذلك يكون سلاح الأقوياء في قوّتهم ودلالة عليه أيضاً..
الضعيف يقول ويتكلّم عندما لا يكون بمستطاعه إلاّ الكلام سلاحاً، فلا يعود ضعيفاً عندما يبوح وعندما يتحدّى بالكلام أعتى العتاة، يتحرّر بالكلام من ضعفه ليُلبسه غيره الصامت الضعيف في صمته وفي ضعفه. وبقدر إفصاحه يمتلئ قوّة وعزيمة عندما يمتلك إرادة التحدّي التي هي ورقته الرابحة عندما تنكشف أوراق اللعبة كلّها، وتنحصر اللعبة بين الوجود والعدم.
القويّ بدوره يقول ويتكلّم، يهدّد ويتوعّد، يرغي ويزبد، يأمر وينهي، ولكنّ الكلمة عندما تخرج من القويّ الكثير الثقة بنفسه قد تتحوّل إلى نقطة ضعفه التي لا يعرف عنها شيئاً.. وخاصّة عندما يكون غرّاً في ميدان الاحتراب التلاسنيّ.. ولن يعرف إلاّ حين تستبدّ به وتبيده تلك الكلمة نفسها التي يظنّ بأنّها ستستبدّ بمن يراد أن تستبدّ بهم وتبيدهم.
هذا عن الكلمة، فكيف بالوطن المحال مجازاً إلى اللغة كلمة، هذه الكلمة التي ينسحر الكلّ بها، قد يكون بعض المنسحرين جادّين إذ يحاولون إحياءه وإعادة ألقه إليه.. ولا يُستبعد أن يوجَد المدّعون كالعادة ممّن يحاولون إفناءه بالهتاف المديد المضاعف بإحيائه، هؤلاء ركّاب الأمواج، وممتطو الرياح، محتكرو الوطنيّة ومقزّمو الوطن، لأنّ احتكار الوطن أو الوطنيّة كفكرة وكمفهوم يكبحها، يقيلها إلى التقاعد بعد أن يمنعها من التداول، ليبحث عنها بلا جدوى لا في أرض نائية غريبة بل في التاريخِ: الحديثِ المهدور منه والقديم الممهور بأسماء الأقوياء..
وأستعير هنا قولاً لأوكتافيو باث في نهاية كتابه “أطفال الطين” حين يقول:
“ليس بوسعي إلاّ أن أرثي براعتهم وأشجب إفراطهم”. وأضيف:
بوسعي أنا أن أفضح نفاقهم وأكشف وأعرّي تفريطهم.. وإن كان ذلك على طريقة الهنديّ أشيني بطل رواية “أشيني” لمؤلّفه الكاتب الكنديّ إيف تيريو.
فكيف إذا غدا الوطن كلمة للمتاجرة على لسان هذا وذاك، على لسان الضعيف أو القويّ، على لسان المستضعف أو المستقوي، كلاهما يدّعيه لنفسه، ويدّعي استماتته لأجله، وهو عنهما ساهٍ لأنّهم عنه ساهون وباسمه متاجرون ومنشغلون بأنفسهم عنه..
التحدّي قد بدأ.. لمَن الخلودُ والغلَبة.. ؟!!! هذا ما ستثبته الأيّام.. فلننتظر حكم التاريخ..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…