رسالة من سليم بركات

  محمد بيجو
madobijo@hotmail.com

ما زلت حزين القلب كزجاج ضرب بحجر, وروحي كما هي, لم ترممه رسالة منك أو هدية, ولم أشأ أن ترتب بقاياي امرأة غيرك بيدين صغيرتين.
 كأني الآن غيمة أمرّ على درب ترابي يوصل حنين قرية بأخرى.
 يقيني: مفتاح قلبي معك, ولن يسعفني غير الشعر بالبقاء على قيد الحياة.

ازور إبراهيم حسو في داره المرمية هناك, أطرق الباب بحجر كبيضة الدجاج, فيفتح لي الباب ابنه (دليار) الحزين دوماً ويسير أمامي ـ وهو يغني ـ إلى أبيه المتكئ على خشب مكتبته في غرفة مخصصة للبكاء والحنين, حاضنا وردا ذابلا وورقا تدربت الأقلام عليها كثيرا و تلألأت في عينيه نجمتان من دمع, هاذيا بكلام لا افهم منه غير ” هو ليس بخير ”
أقول هو من ؟ فلا يجيب و يضحك ليلملم علينا الجيران, فتاتي النساء متشحات بالأزرق الحبري, ظلالهنّ ظلال شجر وأصواتهنّ أجراس, نساء يرمين أوراق الغار على وجه إبراهيم ويقرأن له شعراً من ديوانه الوحيد, فيرد إبراهيم : ما أتفه هذا الشعر وكاتبه، اخرجن .. اخرجن من البيت وخذن معكنّ هذه الظلال وتلك الأجراس التي تعلقت بالنافذة حتى حجبت عني الشمس, فهو ليس بخير .. تقول النساء بصوت واحد: هو من؟ .. هو من؟
يرد إبراهيم : أعود إلى القامشلي وفي بالي وداع رجل لا اعرفه, ثم ينظر إليّ: لأنك لست الرجل الذي لا أعرفه ضع إحدى رسائل سليم بركات القديمة, في الدواة ثم دعها تشرب كفايتها فالحبر يجعل البياض رحيما على الورق, ثم قرّبها من صوت قلبي واتركها تنام على جبيني إلى أن تمطر هذه الغيمة ويشير إلى قلم مهشم قرب كرسي مقلوب, وقل للريح أن تكف عن الغناء كي أرى ماذا سأفعل بكل هذه النجوم التي تجرح روحي وروح من يعرف أنه ليس بخير وحزين للغاية, فأغمس إحدى رسائل سليم بركات في الحبر وبعد أن تأخذ كفايتها من الزرقة أضعها على جبين إبراهيم لينام كطفل أتعبته طائرات الورق, تأتي فراشة من النافذة التي تعلقت بها أجراس تشظّت عن صوت النساء وتحطّ على رسالة سليم المتدلية على جبين إبراهيم فيستيقظ  كمجنون لدغته نحلة وتطارده أخرى, ليهذي من جديد فلا أفهم منه غير “هو ليس بخير” أقول من ؟ يقول : شجرة البرتقال قطفوا منها العنب.
ثم يقول للنساء: “الكردي الذي لم تصله رسالة من سليم بركات وبخط يده لا يمكنه أن يكون شاعرا أو كاتبا أو سياسيا ثم يطلق العنان لضحكة تفزع الغزلان النائمة بين كتب مكتبته العالية  فتنظر الغزلان بأعين مغرورقة وترمي بيني وبين إبراهيم قطعة مجففة من جلد أقرانها مكتوب عليه” هذه عادة إبراهيم حسو منذ سنوات, منذ أن صار هناك شيء اسمه الانترنت, فيبكي إبراهيم: نعم ولهذا هو ليس بخير .. أقول من جديد : هو من ؟ فيقول لي : ضع وردة بين أعين الغزلان كي تنام ولا تنس أن تقبّل قرونها النابتة، فهي تحب سليم بركات كثيرا وتسألني عنه قبل أن تنام وبعد أن تستيقظ.
استيقظ في الصباح الباكر على نحيب وعويل شديدين أفتح الباب الواقف على الرصيف منذ إحدى وثلاثين سنة لألمح إبراهيم حسو بين عدد من النساء المتشحات سوادا وعلى كتفيّ إبراهيم نعش كتب عليه ” الشعر ”
يناديني من بينهنّ تعااااااااااال ابكي معي على الشعر, على بحوره وموسيقاه وصوره, تعال فلم يعد هناك شيء اسمه شعر, شعر اليوم رسائل تكتب بيد مراهقين وان كان البعض منهم قد تجاوز ــ ت ــ سن اليأس لقد قتلوه على غفلة مني وحين وصلت إليه كان جثة وها أنا أشيّعه وحيداً  
– من قتله ؟
– اللذين أصبحوا عالة عليه منذ أن جاءنا الانترنت.
يقف إبراهيم حسو على صخرة عالية في إحدى زوايا المدينة ويقول بصوت عال “ليس في بيتي ولا قطعة شعرية لإطعام هؤلاء الخدم الذين جاؤوني من آخر البحر ليعلموني السباحة في عينيك” فتضحك النسوة ويغضب إبراهيم كثيراً ويقول لهنّ: عليكنّ أن لا تضحكن حين تسمعن الشعر, عدن إلى بيوتكن واتركن لي ظلالكن , ظلالكن التي على هيئة أشجار جميلة .. أقول له: هل كانت للمرأة جناحان كجناحي حمامة ولم تكن هناك شجرة تستحق أن ترتاح المرأة عليها لذلك استغنت عن جناحيها كي لا ترتاح أبدا؟
 دعك من النساء وأغصانهن وخذني لبيت طه خليل, لأعرف ماذا عليّ أن أفعل بالشعر الميت..أصل مع إبراهيم وبعض ظلال النساء تتراقص خلفنا  إلى بيت طه فنجده قد أتى للتو من صيد السمك وهو يتباهى أمام جاراته وأزواجهن بصيده الوفير هذه المرة, حيث اصطاد سمكة تزن اثنتا عشرة كيلو غراما, ويفسر كيف كان السمك أكثر من الماء وكيف كان الماء يبكي حين يلقي له قصيدة على ظهر سمكة “جري” يقرفص طه أمام سمكه ويناديها بأسمائها الخجولة فتغمض الأسماك أعينها الخضراء حين تسمع إبراهيم حسو: يا أستاذ طه دعنا من أصدقائك السمك وتعال نتناقش في أمور الدفن … فيندهش طه حين يرى جثة الشعر أمامه ليركع على ركبتيه ويضرب صدره وقلبه العليل: كنت أعرف بأنه سيموت, علينا أن نذهب إلى الشيخ عفيف الحسيني فهو ابن وحفيد الشيوخ, وربما ليس هناك من يعرف أن يغسل جثة اللغة والشعر أكثر منه, نذهب إليه سيرا على الأقدام وعلى أكتافنا ضريح الشعر .. نخرج من القامشلي عن طريق الهلالية متجهين إلى عامودا لنصل إليها بعد ثماني ساعات وطه قد سبقنا بسيارته إلى هناك, وما أن نصل إلى بيت الشيخ عفيف حتى يأتي ومعه كيس مملوء بغبار شرمولا, وهو يضحك: أصبح لي أربع سنوات وأنا أقرأ على هذا الغبار قصائد لسليم بركات ومحمود درويش وجكر خوين, فينثر الغبار على جثة الشعر ويقول: لي ثلاثة أبناء شعراء وطه رابعهم, عيناي كسولتان فكونوا لي عيونا أيّها الشعراء , الشعر شعر لا يموت وان توعك بعضه وأصيب بأمراض كاتبيه فهو يداوي جراحه خيالا فوق خيال هو لم يمت, أنتم واهمون.
 يصعد طه خليل شرمولا لينظر إلى الجهات ففي كل واحدة له فيها قلب وروح , يتبعه إبراهيم حسو لينظر إلى سرب القطا فيرمي لها يديه مودّعا , وأنا آخر من يصعد لأنظر إلى الجنوب الغربي حيث دمشق وبيت طه خليل وأصوات بردى وامرأة ضربت زجاج قلبي بحجر قلبها ومضت.
—–

الزمان

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…