حضـــــــارة دون نساء .. محض ســــــــراب

فوزي الاتروشي
وكيل وزارة الثقافة في العراق

كما في يوم الحب في الرابع عشر من شباط قلت ان كل الايام تستحق ان تكون مكرسة للتواصل والعشق الانساني وللحب كأنبل عاطفة , أجدد القول في الثامن من اذار يوم المرأة العالمي ان كل ايام العام لابد ان تستثمر لمزيد من تعميق دور المرأة في المجتمع وجعلها الشريك الاساسي والوتد الثاني الذي بدونه يصبح الحديث عن الديمقراطية والتنمية والمجتمع المدني خرافة.
وحقوق المرأة ليست منحة او هبه , وانما حتمية لخروج المجتمعات من النفق المظلم والدخول الى عالم البشرية المتحضرة. فألغاء او تهميش المرأة يعني بالضرورة الغاء اكثر من نصف الابداع والفكر والانتاج المادي والمعنوي بحكم ان النساء اصبحن في الكثير من الدول يشكلن اكثر من نصف السكان.
واذا كــــانت الانثى هي الاستهلال الاول في الوجود كما تقول (د.نوال السعداوي) في كتابهـــا “الانثى هي الاصل” فأي تراجع في تفعيل ادائها ومشاركتها في الحياة يجعل المجتمع غارقاً في البدائية والسكون والجمود , وتجربة الدول الاوروبية ومعجزتها الاقتصادية لم تكن ممكنة بدون المرأة , وتقدم المانيا والدول الاسكندنافية نموذجاً رائعاً في هذا المضمار.
ولكي لا نقع في فخ التأويلات والتخريجات المزاجية والانتقائية ذات الصفة الذرائعية التي تبرر تحجيم دور المرأة لأي اعتبار كان , نقول ان تجسيد انسانية الانسان وخياراته وحريته وادائه واحترام خصوصياته وحقه في التعبير عن نفسه هو المبدأ الذي دفعت البشرية من أجله انهاراً من الدماء والدموع لتتبلور اخيراً في الاعلان العالمي لحقوق الانسان , والمشكلة ان هذه الحقوق متفق عليها نظرياً ومختلف عليها الى حد التناحر عملياً.
وهذا ما يفسر استمرار قتل النساء بدواعي الشرف , وختانهن او ضربهن او منعهن من العمل والدراسة , مما يفاقم نسبة الانتحار بين النساء في العديد من المجتمعات الاسلامية ومجتمعنا العراقي والكوردستاني ليس استثناءاً على ذلك.
ان جبل التراكمات الاجتماعية البدائية والنظرة الفوقية للرجل والصاق صفات البطولة والقوة والاقتدار بالرجل دون المرأة , والاعتماد على احاديث نبوية ضعيفة او موضوعة وتقديم تفسيرات (فقهية وعلمية) ! تزعم ضعف المرأة وقلة عقلها , مازالت تتحكم بشرائح واسعة في مجتمعنا العراقي . علماً ان كل البحوث العلمية التنموية المتقدمة اثبتت بطلان هذه النظريات وحسمت الامور لصالح حقيقة لا تقبل الجدل وهي ان المرأة مطلقة المساواة مع الرجل في قدراتها العقلية والانتاجية والدليل هو النجاح الباهر الذي تقدمه المرأة على كافة الصعد في المجتمعات الاوروبية الى حد سبقت الرجل في ميادين كثيرة.
في اليوم العالمي للمـــــرأة نستحضر للذاكرة نساء مثل (انديرا غانــــدي) و(بنظيــر بوتو) و(ماركريت تاتشر) و(الام تيريزا) التي حملت هموم كل فقراء الارض في قلبها , والليدي (ديانا) اميرة القلوب كما يصفها الشعب البريطاني , واسماء لامعة اخرى كنّ وما زلن ملكات ورئيسات جمهورية ووزيرات وناشطات حقوق الانسان ومقاومات , ولا ننسى سفيرة النيــــات الحسنة (انجيلينا جولي) التي زارت العراق مؤخراً و(جين فوندا) التي اجتذبت العالم بتضامنها مع الشعب الفيتنامي.
مثلما نتذكر (نازك الملائكة) و(ام كلثوم) التي دشنت فناً يتجدد على مر العقود , واصواتاً نسوية حفرت في دنيا الكتابة الروائيـــة عالمــــاً مفعماً بالثورة والجرأة والحب مثل (غادة السمـــان) و(احلام مستغامني) واخريات شكلن بوابة مشرعة لرياح العصر لا تقبل مرور نزعات التسلط الرجولية وتثبت ان الحياة نصفان متكاملان وان ثمة استحالة ان يدعي الذكر افضليته على الانثى.
قبل ايام كتبت عن قامات نسوية كوردستانية برزت بقوة في سياقات الكتابة والعمل البحثي والمقاومة والنشاط الحقوقي والعمل الابداعي , وانا على يقين ان هذه الاشجار الباسقة هي التي ستثمر مستقبلاً وتحدث تحولاً انعطافياً في المجتمع الكوردستاني في الشكل والمضمون.

لذلك فلا خيار لنا سوى تشجيع هذه الظاهرة وتحريض وتنوير كل ما في هذه القوة النسوية من مكامن القوة والانتاج والثورة على القديم . والثورة الناعمة اذ تنطلق فأنها لن ترجم الرجال بالحجارة كما يفعل هو الان تجاه النساء , بل ستقنع الرجل انه لم يعد الدكتاتور الفردي الاناني في المجتمع , وان الحضــــارة التي لا تمر بعقل وقلب المــرأة لتكتنز بما فيهمـــا من عطاء وحب وابـــداع , هي محض سراب.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…