(احتضــــار) قصة قصيرة

  بقلم : فرمان صالح بونجق

عيناها تتقلصانِ ، تضيقانِ تدريجياً ، تتكسرُ الصورُ أمامَها ، تتموَّجُ بقاياها ، ثم ينسدلُ جفنان مشوبانِ بالسمرةِ ليحجبا ضوءَ المصباحِ ، وتنحسرُ آخرُ ملامحِ الوجهِ الوحيدِ الذي بقيَّ صامتاً أمامها طوال الوقتِ في انتظارٍ يكادُ لا ينتهي . بإصرار ٍ ظَّل متمسكاً بانحسارِ ملامح وجهها الذي كانَ يهم بالاحتضار.

تلمَّسَ يدها ، ضغط َ على أناملها ، كانتْ كقطع ٍ من الثلج ِ. لقد فقدتْ كـلَّ ذلك الدفءَ الذي اعتادَ عليه طوال العقدينِ الأخيرين ِمن عمرهِ. تملكته ُالرجفة ُ ، فضغط َ بطرف ِإبهامه ِعلى عنقها ، ثمة َ نبضٌ خفيفٌ ينبئ بالحياة.
رفعَ بصرَهُ إلى الساعة ِالمثبتة ِعلى الحائط ِ، كانتْ عقاربُها تشير إلى الواحدةِ والنصفِ بعد منتصفِ تلكَ الليلةِ . أجالَ بصرهُ في أرجاء ِالغرفة ِ ، الصغارُ الثلاثة ُ ـ كعادتهم ـ كانوا قد أسلموا أهدابهم لخيوط ِنوم ٍ هادئ . أخذتهُ الرجفةُ كمن أصابهُ تيارٌ صاعق ، هزَّ رأسهُ بعنف ٍ .. وارتمى على صدرها.
تذكَّرَ جزءاً من الحديث ِ الذي دارَ بينه ُ وبين الطبيبة ِالمتخصصة ِ بأمراض القلب ِ:
{ هذه المرحلةُ متقدمة ٌ نوعاً ما ، ولا أخفيك َ.. هي من المراحلِ الخطرة ِ، لأنَّ الشريانَ الذي يغذي عضلة َ القلب يقومُ بإعادة ِ الدّم ِ بدلاً من السماح له ُبالمرور. }
عادَ إلى جلسته ِ ولكنه لم يكن قد فقد تأثرهُ وعصبيته ُلما جرى ويجري حوله فقال في سرّهِ: اللعنةُ على الكولسترول. وعاد ليرقبَ ملامحها من جديد .
انفرجتْ عيناها نصف ُ انفراجةٍ ، ثمَّ ارتسمتْ ابتسامة ٌ خفيفة ٌ على شفتيها ، رفعت يدها اليمنى ببطء ٍ محاولة ً الإيماء َ بها ، لم تكن الإيماءاتُ واضحة ً بادىءَ الأمرِ، ولكنَّها أوضحتْ بعد جهد ٍما كانت ترغبُ في قولهِ : الأولاد …
تحلقوا حولَ فراشها، كان النوم ُ لا يزالُ عالقاً بأجفانهم، تسلل َالخوفُ إلى صدرِ الابنتين ِفبدأتا ببكاءٍ مخنوق ٍ. أما أكبرُ الأبناء ِ فقد وقفَ مذهولاً يُنقِّـلُ ناظريهِ بين وجه ِ والدته ِالمدثرُ جسدَها بالغطاءِ الصوفيِّ وقد احتفظتْ شفتاها بابتسامتها ، وبين وجه ِ والده ِ الذي كان قدْ جثا على ركبتيهِ وهو يحدِّق في عينيها كمنْ يغرقُ ببطءٍ في مباه بحيرةٍ هادئةٍ دونَ أن يبديَ أية مقاومة .
تحركتْ شفتاها ، قالتْ كلاماً مبهماً ، تبادلَ الأبناءُ النظراتَ ، فأدركتْ بأنَّ كلماتها لم تصلْ . صارعتْ اختناقها : أوصيكم بالثلاثة ِ الصغار … بللَ الدمعُ جفنيها ، ثم تراكبتْ الحروفُ في حلقها ، فأجهشَ الحاضرون بالبكاء ِ ، وعادتْ هي إلى احتضارها منْ جديد ٍ.
الوقتُ ثقيلٌ ، ودقاتُ الساعةِ قاتلة ٌ، والمحلقونَ حولَ الفراشِ يتبادلونَ النظرات ، هزَّ الرجلُ رأسه ُ: الله يلعنْ أبو الغربة … ودفنَ رأسه ُفي كلتا يديهِ .
مضى وقت ٌغيرُ قصيرٍ والرجلُ على تلك الحالة ِ، وفي ظلِّ تزاحم ِالأفكارِ، وَجَدَ ملاذَه ُفي جارهِ الكفيفِ الشيخُ علي . همسَ لأكبر أبنائهِ : أيقظه ُفي الحال ، ولا تنسى أن تُمسكَ بيده عبرَ الزقاق .
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى قطعتْ دَمْدَماتٌ قادمة ٌمن خلفِ الحائط ِالرتابة َالتي كانتْ مخيّمة ًعلى المحلقينَ حولَ الفراش ِ. إنه الشيخ علي يقطعُ الزقاقَ .. قال الرجلُ محاوراً نفسهُ .
تلمسَ الشيخ علي جبينها ، أطلقَ بضعَ كلماتٍ مطمْـئِنَة ٍ، واستهلَ قراءتَه ُالهادئة َبسورةِ الفاتحةِ .
استغرقَ الشيخُ في قراءتهِ ، بينما كانَ الرجلُ يجولُ ببصرهِ في وجوه ِأبنائهِ تارة ً، ويعود ُإلى الملامح ِالمفقودةِ في وجهِ زوجتهِ . داهمتْه ُرغبة ٌبإشعالِ لفافة ِتبغ ٍ، تردَدَ كثيراً ولكنه ُسرعانَ ما كبتَ تلكَ الرغبة َ.
نظرَ إلى الساعةِ مجدداً، كانتْ تشيرُ إلى الرابعة ِبعد منتصفِ الليل ِ، عادَ ببصرهِ إلى وجه زوجته ولم يغادرهُ بعد ذلكَ قط ُ.
ارتعشَ جسدَها ارتعاشة ً خفيفة ً، وضعتْ يدها على صدرِها إلى جهة ِالقلبِ ، ثم تأوهتْ ، فتحتْ كلتا عينيها ، نظرتْ حولها متسائلة ً بصوتٍ متكسرٍ : عمي الشيخ علي ؟؟.
ردَّ عليها مبتسماً : أنتِ بخيرٍ ياابنتي .. أعطوني كوباً من الماء ِ.
وضعَ طرفَ سبابتهِ في كوبِ الماءِ ، قرأَ بضعَ آياتٍ ثم رشَّ قطراتٍ منه ُعلى وجهها ، وأوصى بشرب المتبقي منه ، وغادرَ دونَ أن يرافقه أحد مؤكداً أن الليلَ والنهارَ عندَه ُسواءٌ بسواءٍ.
انفرجتْ أساريرُ الأبناء ِ، حاولوا الجلوسَ إليها ، لكنها طلبتُ إليهم الانصرافَ لأنَّ الوقتَ باتَ متأخراً ، وينبغي أن يرتاحوا كي يمضوا إلى مدارسِهم دونَ تأخيرٍ . انصاعَ الأبناءُ لرغبةِ والدتِهم ، ومضى كلٌ إلى غرفة ِنومه ِ.

حدَّقَ الرجلُ في عينيِّ زوجتهِ ، ابتسمتْ كعادتها ، ابتسمَ لها ، ضَمَّ يدها بقوة ٍ، وتسامرا حتى بزوغِ الفجرِ .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إدريس سالم

لم أفهم أبي يوماً؛

ذلك الثقب الأسود في مجرّة العائلة، الكائن الذي لم يفكَّ شيفرته أحد، يسكن في فجوة سحيقة بين الصرخة والسكوت. كان يزرع العِناد المسموم في أوردتنا، يبذر ألغاماً موقوتة، ويحقن قراراتنا المصيرية بمصل التردّد، حتى غدونا نمشي على أطراف أصابعنا في حقل من الخوف.

لم أفهم أبي يوماً؛

إنه طاووس جريح، إذا مسّه المرض،…

قصة: م.علي كوت

ترجمة عن الكردية: فواز عبدي

الازدحام شديد في سوق مدينة (م)، وكذلك مهنة العتالة.. يمتلئ السوق منذ الفجر وحتى وقت متأخر من المساء. يصعب التنقل من طرف السوق إلى طرفه الآخر على من لم يعتده.

لأن المدينة مبنية في الجبل فإن شوارعها ضيقة وكذلك أسواقها. ولكي يذهب المرء إلى دكان لشراء علبة سجائر، أو إلى…

فراس حج محمد| فلسطين

منذ مدة طويلة لم أقرأ كتاباً بهذه الكيفية التي قرأت بها كتاب “الهامسون بالكتب: إحياء القارئ الكامن داخل كل طفل” لمؤلفته المعلمة دونالين ميلر، إن السيدة ميلر معلمة قراءة للصف السادس في إحدى مدارس ولاية تكساس في الولايات المتحدة، تحدثت عن تجربتها مع طلابها في هذا الصف وكيف قادتهم لأن يصبحوا قراء…

الشَّاعِرُ عِصْمَتُ شَاهِينِ الدُّوسُكِي

 

عَالَجَتِ القَصِيدَةُ الكُرْدِيَّةُ الكَثِيرَ مِنَ الصُّوَرِ الحَيَاتِيَّةِ.. الَّتِي تُحِيطُ بِالبِيئَةِ الكُرْدِيَّةِ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ، الَّتِي هِيَ جُزْءٌ مِنَ البِيئَةِ العَامَّةِ.. مِنْهَا.. الذَّوْدُ عَنِ الوَطَنِ، الفِرَاقُ، الأُخُوَّةُ العَرَبِيَّةُ، المَوْتُ، الأَلَمُ، المَصِيرُ المُشْتَرَكُ، الفَرْحَةُ، التَّضْحِيَةُ، وَالصُّوَرُ الوَاقِعِيَّةُ الأُخْرَى….

كُلُّ شَاعِرٍ يَسْتَعْمِلُ مُفْرَدَاتٍ خَاصَّةً بِهِ تُمَيِّزُهُ شَيْئًا مَا عَنْ شُعَرَاءَ آخَرِينَ.. وَمِنَ الطَّبِيعَةِ الكُرْدِيَّةِ أَوْ شَخْصِيَّةِ الإِنْسَانِ…