الإستاذ فايز خضور، وتناقضات وعي الذات في محطاته الثقافية

  تعقيب على الدراسة النقدية التي أجراها فايز خضورعن الشاعر السوري الكبير بدوي الجبل، في ملحق جريدة الثورة الثقافي، العدد 477- 6/9 / 2005 – نموذجاً.

بقلم: خالص مسور

بدأ الإستاذ والشاعرالسوري فايز خضور، بداية في منتهى الركاكة في الإسلوبية والمعنى، في مقالته النقدية عن الشاعر السوري الكبير والمبدع حقاً لإستاذ بدوي الجبل، مبتدأً بعبارة غير موفقة وهي: (العظماء معين لاينضب ولهذا لايقبلون مجاملة أو تملقاً…)
بداية أقول: تشبيهه العظماء بمعين لاينضب، لم يكن تعبيراً موفقاً وجاء في غير محله أصلاً، بل أوجد ذلك نوعاً من التناقض الدلالي بين كلمتي المشبه العظماء، والمشبه به المعين، بل العبارة خاطئة من أساسها، لأن الذي لاينضب هل هم العظماء بأجسادهم..؟ والحالة الوجودية الفيزيائية لهم.. ؟ أم أن علمهم لاينضب…لا أدري؟. وأعتقد أن الشاعر يريد به القول الأخير ولكنه أوقع نفسه في خطأ سيمانتيكي دلالي ساذج، فالمعين في اللغة هو الماء الجاري. ومن هنا كيف يكون العظماء أمواهاً جارية لاتنضب؟ فهل لكثرتهم في هذالعالم فهم لاينضبون..يا ترى؟ أم أن عطاءاتهم للبشرية أو إبداعاتهم هي معين لاتنضب..؟ وفي كل الأحوال فليس في كلام العرب وقواميسهم من استعمل هذه العبارة غير الرشيقة بهذا الشكل مطلقاً. ففي قاموس المنجد، ترد حول النضوب التعابير التالية:
نضب عمره: نفد وانقضى- ونضب نضوباً الماء: غار في الأرض- ونضب فلان الثوب: خلعه- ونضب عن الشيء: انحسر وانفرج. يقال نضب عنه البحر أي نزح ماؤه ونشف- ونضب الخير:قل- ونضبت عينه: غارت- ونضبت المفازة: بعدت- ونضب القوم: بعدوا- ونضب فلان : مات- ونضبت الناقة: قل حليبها…. فبأي من هذه المعاني استعمل الإستاذ الشاعرفايزهذه العبارة ياترى..؟ فكلها لاتوافق وما استعمله وما أراد به، فهل العظماء لايموتون ولاينتهون؟ فماهي العلاقة بين النضوب والمجاملة والتملق؟ أو بالأحرى بين المعاني الأربعة العظماء- النضوب- المجاملة- التملق..؟ ولكني أعتقد أن الأصح أن نقول وعلى سبيل المثال: العظماء معين من الإبداع أو العطاء لاينضب، أو العظماء عطاءات الإنسانية التي لاتنضب…الخ.  فهل ياترى للإستاذ الشاعر فايزله لغة انزياحية مبتكرة خاصة به… لاأدري!؟..
ثم إنه يستشهد بقول للشاعر بدوي الجبل، استشهاداً بدا بموجبه شاعرنا الكبيربدوي الجبل نفسه مخطئأ في استشهاده، بحيث يبدو قوله مناقضاً لمفهوم الخطاب التراثي الإسلامي الذي استشهد به الشاعر، حيث يقول الإستاذ فايز هنا: هاهو الكبير بدوي الجبل يصادق على مقولة: (من جاء إلى الصلاة متأخراً فله حق من جاء أولاً..!!.لأن المهم هو أن يأتي). هذا قول غير صحيح واستشهاد بالتراث في غيرمحله، وتجاهل للتميز بين الكم والكيف، وبالتالي هو تناقض في تناصه مع القرآن الكريم الذي يقول: (ويل للمصلين الذيم هم عن صلاتهم ساهون). ولهذا واعتماداً على هذه الآية الكريمة، فليس في الإسلام فضل من جاء إلى الصلاة أولاً كفضل من تأخر عنها. ولهذا فبدلاً من أن يظهرالناقد عظمة الشاعر الكبير وعبقريته الفذة، نراه بالعكس ينزله من عليائه ويقلل من قيمة شعره من حيث يدري أو لايدري. فالقاريء الذي لايعرف الشاعر الكبير بدوي الجبل يظنه هنا قليل الموهبة، ولايرقى أبداً إلى مستوى الشعراء الكبار. لأن الناقد الإستاذ فايزيقول وقد شاهد جلسة نقدية:…….فوجئنا بسيل من المغالطات التقويمية التي وردت على ألسنة المحاضرين الناقدين……فأقرب هذه المغالطات، مقولة الإعلامي المصري (فاروق شوشة) التي يقول فيها:(كنت أستغرب أن شاعراً بهذا الحجم غيرمعروف في مصر…) وكاتب المحطة أيضاً مستغرب للأمر.
ولكن ستزول الغرابة من أذهاننا إذا ما علمنا بأن هذه ليست أغلاطاً تقويمية ونقدية، فالمصريون لايغالطون هنا أنفسهم عن عمد، وقد يكون حقيقة لم يسمعوا بشاعرنا الجبل كثيراً.
لأن المصريين – على الدوام- لديهم نزعة مصراوية نوعاً ما…! فهم لايهتمون كثيراً بالمواهب غير المصرية، وهذه مقولة لها من الحقيقة حظ وافر، والدليل على ذلك كان حتى وقت قريب، بل لازال حتى اليوم الإذاعات والتلفزيونات المصرية لا تعرض المسلسلات السورية مثلاً على فضاءات شاشاتها وأثيربثها إلا نادراً، وفاروق شوشة بما أنه إعلامي ليس إلا، فمن المرجح انه لم يسمع باسم الشاعر بدوي الجبل لان الشعر ليس من مجالات إهتمامه. كما أن قول الإستاذ فايز هنا وعلى الملأ، بأن النقاد المصريين وهم نقاد كبار، بالإضافة إلى ذكره الإعلامي المصري الشهير فاروق شوشة، على أنهم لم يسمعوا بالشاعر الكبير مجرد مغالطة، فهذا لايجوز الخوض فيه بهذا الإسلوب البسيط، والإلتفاف على القراء في الزوايا والأزقة الأدبية الضيقة. بل إن الإستاذ فايز كاتب المحطة الثقافية في ملحق جريدة الثورة الثقافي السورية، قد قلل بكلامه هذا من شأن ضيف محطته الشاعر السوري الكبير بدوي الجبل من حيث يدري أولايدري. لأني أرى أن عدم سماع هؤلاء النقاد الكبار في مصر باسم شاعر سوري عربي وفي مثل وزن بدوي الجبل، هو تقليل من شأن الشاعر نفسه على الساحة الشعرية والأدبية العربية وبين النقاد الكبار لارفعة له.    
ويكتمل المشهد التقليلي ذاك، في معرض كلامه عن سيدة الغناء العربي أم كلثوم، حينما طلبت السيدة من الشاعر بدوي الجبل أن يغير في قصيدته التي يظهر أنه قدمها لسيدة الغناء العربي لتغنيها له، فقال والقول لإستاذ فايز: (لقد اختلف البدوي الجبلي مع السيدة المطربة الكبيرة أم كلثوم، إذ طلبت منه وأصرت أن يغير كلمة شقراء، بسمراء،حتى توافق على غناء بعض أبيات له فاعتذر …..وكانت القطيعة).
نعتقد أن السيد كاتب المحطة قد قلل هنا مرة أخرى من أهمية شعر الشاعر وأظهر للقاريء والمتلقي –وبجلاء- تدني مستوى شعره الغنائي، وذلك في نقطتين الأولى حول كلمتي (شقراء، وسمراء)، أي أرانا الناقد هنا – وبجلاء مرة أخرى- بأن الشاعر الكبير مخطيء والسيدة المطربة الكبيرة على صواب، وللحقيقة والحق يقال، لماذا ستغني المطربة الكبيرة على شقراء والشقرة ليست من صفات الفتيات العرب، وليس من بين شعراء العربية من تغنى بهذا اللون الاوربي الخاص مطلقاً، ولهذا نعتقد أن هذا افتئات على التراث العربي الذي يمجد السمار والفتاة العربية السمراء الوجه، كما أنها افتئات على السيماءات الدلالية للوحتها الغنائية، وهي فيما لوغنت على الشقراء فسيكون في ذلك تناقضاً قيمياً ودلالياً في كاريزمات أغنيتها الجديدة.
فلا شك سيؤدي ذلك إلى امتعاض الجمهور المتلقي واستهجانه. ومن جهة أخرى فإن قول الإستاذ فايز: (حتى توافق على غناء بعض أبيات له). وهذه العبارة فيها تقليل ما بعده تقليل من شأن الشاعر الكبير أيضاً، لأن عبارات مثل(- حتى توافق– على بعض أبيات- ) فيها تقليل من أهمية شعر الشاعر، وكأنما توحي دراسة كاتب المحطة الثقافية بأن المطربة بدورها، تقلل من، لا بل تستهين بأشعار شاعرنا الكبير بدوي الجبل، فتطلب منه أن يغير ويبدل حتى تغني /بعضاً/ من أشعاره. كما يخطيء الأستاذ فايز بحق الرجل حينما يشبه شعره بشعر أبي تمام من حيث الصياغة اللفظية، غيرمدرك بأن النقاد العرب استهجنوا شعرأبي تمام نظراً لإستعاريته المفرطة التي أودت بالناحية الجمالية في الإسلوب، وفتور في جمالية التلقي، ثم الغموض المتعمد غير المستحب في إسلوب الرجل، وماعدا الناقد العربي الصولي الذي تحزب لأبي تمام وفضله على البحتري، فأن بقية النقاد العرب لم يعتدوا برأيه واستهجنوا استعارية قصائده وغموضها المتعمد وغير المستساغ. لكن ورغم أننا اليوم لانقول بما قاله القدماء من حيث الإستعارية، فهي من مقومات الشعر الجيد اليوم، ولكن الإفراط فيها كما هو لدى أبي تمام قد يؤدي إلى الملل والرتابة وعدم إستساغة الآذان المتلقية لها.
…………………………

محطـــــــات ثقافية

ملحق ثقافي
الثلاثاء 6/9/2005
يكتبها فايز خضور

الملخص : العظماء مَعين لايَنضُب.ولهذا لايقبلون مجاملةً، أو تملقاً. وها هو الكبير «بدوي الجبل» يصادق على مقولة: من جاء إلى الصلاة متأخراً فله حقُّ من جاء أولاً..!!. لأن المهم هو «أن يأتي». كان فرحنا طاغياً كمواطنين، قبل أن نكون شعراءَ، أو أصحابَ دكاكينَ للثقافة والمذاهب، والاجتهادات التي سوَّر عقلَ بعضِ أصحابها التعسفُ، والارتجالُ«العشائريُّ» الموتور.ولكن ماهَمَّ..!! في هذه الاحتفالية الرائعة، والتي لاتساوي «حرف جرٍّ» من أهمية هذا المبدع العَلَم، فوجئنا بسيل من المغالطات «التقويمية» التي وردت على ألسنة« المحاضرين الناقدين» المشاركين، في «إحياء» الموتى المبدعين، وغالباً، في إحياء غير المبدعين.. فأقرب هذه «المغالطات» مقولة الإعلامي المصري «فاروق شوشة»،التي يقول فيها: «كنت أستغرب أن شاعراً بهذا الحجم غير معروف في مصر…».فنقول: متى كانت معرفة الحقيقة حِكْراً على مصر، دون مصر..؟!. وحسبنا أن نورد حادثة «بلقاءَ»، تهتز لوقعها «الأمصار»، عندما شارك بدويُّ الجبل في تأبين الوطني المصري القائد « سعد زغلول»، وكان في طليعة المحكِّمين، العميد الضرير «طه حسين»،حين جاء دور الشاعر «الرَّبْعة» المائلِ إلى القصر تقريباً، بدويِّ الجبل، وافتتح قصيدته التأبينية الصاعقة، بقوله: «قالوا: دَهَتْ مِصْرَ دَهْيادٌ، فقلتُ لهمْ: هل غُيِّضَ النيلُ، أم هل زُلزلَ الهرمُ./.قالوا: أشدُّ وأدهى.. قلتُ: ويْحَكُمُ، إذن ماتَ سَعْدٌ، واْنطوى العَلَمُ..».!!. فنهض الدكتور طه حسين مقاطعاً، وهو يصرخ مذهولاً وقال: لقد قفز الأرنب وربِّ الكعبة..!!.. أي لامجال بعدئذ للسَّبْق، ولاجدوى للصيّاد..!!..أيها الأخ شوشة، ألم تسمع مصرُ بذلك، والحادثة فيها، ومنها…؟!… وتمر أعوام ليست كافية كي تعمي البصر والبصيرة، وتَشُلَّ الذاكرة الجَمْعية، وقت اختلف البدويُّ الجبليُّ مع السيدة المطربة الكبيرة «أم كلثوم» إذ طلبت منه وأصرت أن يغيِّر كلمة «شقراء» بسمراء، حتى «توافق» على غناء بعض أبيات له. فاْعتذر بتهذيبه، ودماثته المعهودتين فيه -و هو يغلي طبعاً- وقال لها: ياسيدتي من الممكن أن يتحول الذكر إلى أنثى ، ولكن من المستحيل أن تصبح «الشقراءُ سمراءً»..!! وكانت القطيعة. حتى توهجت السيدة العظيمة «فيروز» ،و غنت أبياتاً من رائعته «خالقة»،/من نعمياتك لي ألف منوعةٌ، وكلُّ واحدةٍ دنيا من النور…!! وهنا في هذه الخاطرة لن أقف عند الآراء النقدية – الإنشائية- المرتجلة في تقويم «احتفالية بدوي الجبل» ، الواردة على ألسنة بعض النقاد، حول استراتيجية الشعرية القائمة على تمركز الذات في استقطاب التراث الإنساني والتراث القومي،.. الخ. كما حلا للناقد نذير العظمة أن ينشىء.. ولكن لابد للإشارة الأهم، أنهم جميعاً ألحقوه وألحقوا أسلوبه النظمي بالمتنبي، الأكبر، جاهلين تماماً، بأنه ينتمي في مضمونه إلى «الشريف الرضي» روحاً شاعرية، وإلى «أبي تمام» صياغةً…!!.ومع شكري الجزيل لكل من ساهم بهذه الاحتفالية، وأخص منهم الشاعر الكبير جوزف حرب على رائيته المتقنة.. وإلى اللقاء.‏

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…