من شواطى بيروت الى شواطى تناريف في رحيل الشاعر الكبير محمود درويش

  عبدالباقي حسيني – أوسلو

بالرغم من ان محاولاتي في كتابة الشعر قليلة جداً، لكني لم أهجره الى الأبد، فكانت البدايات- النهايات بلغة الأم، حاولت ان أكتب شعراً فكانت النتيجة كلام جميل  مبعثر على ورق مقوى. حاولت ان اكتب الشعر الحديث، فنهالت مفردات ملونة ، كلمات منوعة ترسل هارمونيات سلسة، لكني لم أفلح في النهاية على إنماء ملكات الشعر عندي. حاولت ان أترجم بعض الأشعار من العربية الى الكردية وبالعكس، فكان النص المترجم دائماً خائناً للنص الاصلي.
مع كل هذه الإنكسارات المحببة،  كنت من عشاق الشعر ، قرأت الشعر باللغتين الكردية والعربية، قراءنا – قرأت لشعراء كثر في الثمانينات القرن الماضي، وكان من أهمهم الشاعر الراحل محمود درويش، قصائده كانت محفوظة عن ظهر قلب، ومن منا لا يتذكر قصيدة بيروت، أمي، وجواز السفر….الخ

ولكي لا أبتعد عن العنوان كثيراً، قبل أيام كنت في رحلة سياحية الى شواطى جزر الكناري – جزيرة تناريف في المحيط الأطلنطي، … وفي كل مرة أنزل فيها الى الشاطىء كان يخالني أبيات من أشعار الراحل محمود درويش والتي تتغنى دائماً بالبحر..
على شاطىء البحر بنت… ،
 البحر هو البحر  ، مال علي واستمال….،
 البحر مال على دمي،…..  
درويش كان من عشاق البحر ، وان كنت لا تعرف درويش فأسأل البحر، كان يعشق البحر في عكا و يافا وحيفا وبيروت، ولكثرة تردد كلمة البحر في أشعاره، كنت  أعرف مدى عشقه للبحر وكيف يشعر به. فكان شعوري لا تقل عن مشاعره في تحليل البحر ومعرفة خباياه.

قبل قراءتي لخبر رحيله بيوم، حلمت في منامي على انني أقابل صديقي الراحل الشاعر فرهاد جلبي، وهو بدوره كان من عشاق الشعر وعشاق درويش، وقد ترجم عدة قصائد لدرويش الى الكردية قبل رحيله ونشرها في مجلة زانين التي كنا نحررها معاً. كنت أقول له  في منامي: ” لقد غادرتنا باكراً ياصديقي، لقد رحلت من بيننا وانت في قمة عطاءك”.

في اليوم الثاني وبينما كنت أتصفح المواقع الكردية والعربية لقراءة الأخبار ، فإذا بخبر رحيل الشاعر الكبير محمود درويش منشور في عدة أماكن من النت. صدمت من هول الخبر وقلت في نفسي ان الحلم- الكابوس تحقق في موت الشاعر درويش.

عدت الى الفندق مكسور الخاطر، شاحب الوجه. سألتني عائلتي مابالك، ماهي آخر الأخبار على الأنترنيت؟ جلست بثقل وقصيت عليهم حكاية الحلم مع الخبر المفجع. خيم على الجميع سكون وخشوع، مرت لحظات حزينة من التراجديا، كانت تلك الليلة طويلة جداً. تذكرنا فيها رحيل جارنا وصديقنا فرهاد جلبي، الذي وافته المنية وهو في عز عطاءه، ثم  جئنا الى سيرة درويش ومآثره وكيف ان العالم فقد شاعر كبير من وزن محمود درويش، شاعر الأنسانية والكلمة المبدعة.

الشاعر درويش لم يكن فقط شاعر العرب وإنما كان شاعر الأنسانية جمعاء، شاعر كل الأمم المقهورة، شاعر الكلمة الصادقة والفكر الصافي. فقد سبقني الكثير من الأخوة الكتاب من الكرد والعرب في رثاء درويش وذكر محاسن هذا المبدع الذي لن تعوضه الأنسانية في زمن قصير.

بقي ان أذكر شيء في رحاب هذا الفقيد، هذا الشخص القومي والوطني حتى العظم والتي به عرف العالم القضية الفلسطينية حتى أطلق عليه لقب ” شاعر المقاومة” من أشعاره الثورية وكلماته المؤثرة ومواقفه الصلبة، لكننا نتفاجىء اليوم بان هناك شريحة من المجتمع الفلسطيني تقول في الرجل كلام لاتليق بقامته الشامخة، ويرمون جميع إبداعاته في بحر غزة ( الشاطىء الواقع على مدينة غزة، من البحر الأبيض المتوسط).
درويش كان قد كتب قصيدة في الغزاويين الجدد بعنوان ” صمت من أجل غزة” ينقد فيها سلوك تلك المجموعة بطريقة غير مباشرة، يقول في القصيدةا:
 تحيط خاصرتها بالألغام.. وتنفجر.. لا هو موت .. ولا هو إنتحار
منذ أربعة أعوام ولحم غزة يتطاير شظايا قذائف
أجمل مافيها أنها خالية من الشعر
قد ينتصر البحر الهائج عليها…

كان درويش يرى بأن الغزاوين الجدد قد لوثوا بحر غزة بإشلاء الأطفال والشباب الذين فجروا أنفسهم وتخلصوا من أجسادهم لمآرب لاتخدم في المحصلة القضية الوطنية، بل تصبغها بطابع لا إنساني.
 
درويش أحب كل شواطىء العالم من شواطىء بيروت الذي تغنى بها كثيراً الى شواطىء موناكو، لكنه كان بعيداً عن شواطىء غزة، لان الغزاويين الجدد نشروا كل طحالبهم فيها.
 
درويش كان يعتبر النزهة على شاطىء البحر أمراً خارج إمكاناته، لكن شاطىء غزة كانت لا تهويه. ولهذا أقام الغزاويين الجدد الدنيا ولم يقعدوها. 
 

فوداعا أيها الشاعر الأنسان، ايها الشاعر المبدع، نحن الكرد على الأقل لن ننساك ولن ننسى أشعارك الجميلة في الأنسانية وفي الكرد وكردستان. ستبقى رمزاً لمنطقة، الأنسانية فيها نادراً، ستكون نادراً وخالداً في وجداننا.  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…