الخارجون من جلودهم

  بقلم: علي الجزيري

    قلما يتنكر الكردي لهويته ، فهو دائم الافتخار بها ، حتى في أضيق الظروف أو أحرج المواقف. ولِمَ لا ؟ …. طالما هو حفيد البطل الانقى في الاسلام ، أعني (صلاح الدين الايوبي) ، المعروف على مدى التاريخ بحكمته ونزاهته وسماحته ، ناهيك انه سليل البارزاني الخالد ، الذي أشتهر بتواضعه وتفانيه في الدفاع عن حق الامة الكردية في العيش بسلام وشموخ بين أمم الارض قاطبة.
    لكن، ما يؤسف قوله أن نفراً من الكرد في عصرنا هذا ، ما زال يتنحى أو يتردد في تبيان هويته أمام الملأ ، نتيجة عقد الخوف التي تكونت لديهم في ظل ليل كردستان الطويل ، أو بسبب النزعة الانتهازية التي ولَّدت فيهم سلوكاً ثعلبياً في المراوغة والمداهنة قل نظيره.

ولا نخفي سراً ان قلنا بأن الفنان الكردي التشكيلي عمر حمدى ، المعروف عالمياً بـ (مالفا) ، والمتجنس بالجنسية النمساوية ـ مع الأسف ـ هو أحد أبرز من توجه لهم أصابع الاتهام في مثل هذه المواقف، لأنه صرح بعظمة لسانه أكثر من مرة بأنه عربي ، وقد نقلتْ آخر مرة مجلة (البيان) الكويتية الخبرَ في عددها / 382 / الصادر في مايو / 2002 / ، وتلقفته وسائل الاعلام ولاكته الألسن ، وجدير ذكره أن الصحف السورية كانت قد سبقتْ (البيان) بسنوات ونشرت عنه أشياء مماثلة ، في جريدة (الاسبوع الأدبي) ، التي يصدرها من دمشق اتحاد الكتاب العرب.
    فما الضير من أن تجاهر يا أخي بهويتك (حقيقتك) بعد أن نلتَ شرف النجومية بجدارتك في مجال الفن التشكيلي ؟ وما الفائدة من أن تتنكر لأصلك ؟ … في إحدى مقابلاته الصحفية ، سُئل الفنان السوري القدير (بسام كوسا): هل أنت كردي ؟ فأجاب : لا ، أنا عربي ، لكن يُشرفني أن أكون كردياً … لا أخفيك سراً ـ عزيزي القارىء ـ بأن (كوسا) بموقفه المذكور قد كبر في نظري وتجلتْ إنسانيته على نحو أسطع ، مما جعلني أكثر حباً للعربي الصادق من أمثاله وأكثر قرباً منه.
    أما أنت ـ يا عمر حمدى ـ بسلوكك المذكور، فقد ذكرتني بطرفة رواها لنا شاعرنا المرحوم (كلش) ذات يوم ، تلك التي كان من المؤمل أن تنشر في مجلة (دجلة) التي كانت تصدر باللغة الكردية في كردستان العراق ، لولا أنها توقفت عن الصدور فجأة.
تقول الطرفة التي تعبر بوضوح عن سيكولوجية الانسان المقهور:
    ((بعد ولادتي بأشهر ـ والكلام للطيب الذكر كلش ـ اشتاقتْ والدتي لأهلها ، فعقدتْ العزمَ على زيارتهم بعد طول غياب ، لكن العقدة التي كانت تعكر صفوها هي عقدة لون بشرتي الداكن ، هذا اللون الذي أبلاني الله به ؛ وبعد فترة ، تفتق ذهنها عن حل لا يخلو من الغرابة .  يومئذٍ كانت جارتنا قد رُزقت بمولود في مثل سني، ولحسن الحظ أن لون بشرته كان يميل الى البياض، فأسرعت أمي اليها خلسة ، وأقنعتها بتبادل المولودين لبضعة أيام ، هي ذات الفترة التي ستقضيها في زيارة الأهل، كي تتظاهر أمامهم وتتباهى بأنها رُزقتْ بطفلٍ أشقر اللون ، أزرق العينين.
    وبعد أن تمت المقايضة بينهما ، سافرتْ وبرفقتها والدي ، وحين اقتربا من بيادر قرية جدي ، عكرّتْ عليه مزاجه ، حين كشفتْ له النقاب عن تصرفها ، فامتعض أبي لهذا التصرف الأحمق ، لكن ماذا عساه أن يفعل وقد بات حموه على مرمى حجر ، فسكتَ المسكين على مضض ، وكان يلومها من حين لآخر بسبب سلوكها المذكور آنفاً)).
    انه سلوك الانسان المقهور حقاً ، ذلك الانسان الذي غرستْ فيه أنظمة القمع ، الأنظمة التاتوليتارية ، الخوفَ من المجاهرة أمام الملأ بحقيقته. واذا كانت المرأة السالفة الذكر قد تصرفتْ على هذا النحو نتيجة ضيق أفق أو جهل لا تلامُ عليه ، فان نموذج (عمر حمدى) هو نموذج الانسان المقهور الخارج عن جلده بامتياز، خوفاً أو طمعاً ، تقية أو تزلفاً ، أعني نموذج الانسان المُحَنْون على حد وصف ممدوح عدوان في كتابه (حَيونة الانسان) ….. وللمزيد عن هذا الانسان ، نحيلك عزيزي القارىْ الى روايتي (مزرعة الحيوانات) لجورج أورويل ، و(نحن) ليفغيني زامياتين ، أو الى كتابات (فرانز فانون) الجديرة بالمراجعة ، كي تتأمل عملية تحوين الانسان وتجريده من انسانيته أو هويته ، تلك التي تمارسها الأنظمة الشمولية اليوم بحق الكردي المغلوب على أمره ، دون أن يرف لها جفن.

    ملاحظة : كنتُ قد دعيتُ الى إحياء الذكرى الأولى لرحيل شاعرنا (كلش) ، لولا أن الظروف قد حالت دون نيلي شرف المشاركة في الحفل الذي أقيم في مدينة القامشلي لإلقاء هذه (الحكاية السياسية)، حيث كنت في دمشق … لذا ، استميح القارىء عذراً إن قلت : لن ننساك يا كلش ، وسنظل  ننحت في الصخر مثلك ، الى أن تنبلج شمس الحرية. 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى، تتقدم هيئة تحرير موقع ولاتي مه بأحر التعازي وأصدق المواساة إلى الزميلين العزيزين الأستاذ حواس محمود والأستاذ فواز محمود بوفاة والدهما المغفور له، بإذن الله، سلمان حاج سليمان (أبو زيد)، الذي وافته المنية اليوم.

وإذ نشارك الزميلين وأفراد أسرتهما الكريمة هذا المصاب الأليم، نسأل الله تعالى…

صبحي دقوري

لم يعد سؤال «أين الفيلسوف؟» سؤالًا عن غياب أشخاص أو ضعف مؤسسات، بل عن هيمنة ما يمكن تسميته بـ«الثقافة السائلة»؛ أي ذلك النمط الذي تتدفق فيه المعاني بلا ثبات، وتُعاد صياغة القيم وفق منطق السرعة والتغير المستمر. ضمن هذه السيولة، لا تُقاس قيمة الأفكار بعمقها، بل بقدرتها على التكيف السريع مع تدفق…

سعيد يوسف

في القرن السادس قبل الميلاد، كان العالم الاغريقي على موعدٍ مع ولادة كلمة جميلةٍ في حروفها، سلسة في لفظها، جليلة مهيبة في معناها، رحبةٌ في تعريفاتها، مفتوحة في موضوعاتها. لم يدُر بخلد أحد وقتذاك أن هذه الكلمة سوف تعبر الآفاق وتجتاز القارات والمحيطات لتغدو من أشهر الكلمات، وأكثرها تداولاً في لغات العالم قاطبة، إنها…

اكرم حسين

في صبيحة صيفية أشرقت فيها الشمس كجمرة ذائبة فوق مدينة النورين، والسماء صافية كمرآة لا تعكس إلا زرقة لا يشوبها اي شيء . سكنت المدينة هدوءها المعتاد ، إلا قاعة المؤتمرات التي تموج بالوجوه التي أتعبتها السهرات وأرهقتها الكلمات، وجوه حفرت في صفحات الكتب ما تبقى من عمر، وجاءت من أقاصي المحافظة…