خطف البنات من ظاهرة حضارية إلى أهواء مراهقة

عامر خ. مراد

هي عادة الإنسان ومنذ أقدم العصور أن ينتج ويبدع لأجل حياة أفضل على هذه الأرض ضمانا لكينونته كإنسان يحتاج للتطور والارتقاء حفاظا على بقاءه أولا وهويته البشرية ثانيا , ولكن هي عادته أيضا أن يحول كل ما أنتج وأبدع عن مساره الصحيح ليستخدمه لا لصالحه بل ضد كل ما يمت للإيجابية بصلة, وظاهرة خطف البنات ظهرت منذ القديم كعبارة عن دفق تحرري لدى الجيل الشاب الطامح للحرية والانفصال برأيه عن كل من حوله رافضا أي أمر يصدر من آمر, فظهرت هذه الحالة حين كان الأهل يرفضون زواج أثنين ممن قبلا الارتباط وجمعهما رابط الحب فكانت هذه الظاهرة رفضا للقيم المتخلفة التي كانت تربط بين شروط الزواج والكثير من المسائل العشائرية والكثير من الأهواء الفردية للأهل فكانت دفعا تقدميا للأمام أثبتت للآخرين ضرورة احترام الحرية الشخصية وعدم قمع الرأي الآخر.
وتمر السنوات وتتوالى آلاف حالات الاختطاف هذه حتى أخذها الواحد عن الآخر وهكذا دواليك إلى أن التقطتها أذهان من لم يع من الحرية شيئا , ومن لم يصل إلى درجة أن يحكم إلى أي مدى يحق له أن يقوم بخطف فتاة ما وإلى أي مدى هو ضروري الالتجاء إلى هذه الوسيلة احتراما للظاهرة وارتباطها الجوهري بالحرية واحتراما للإنسان بكونه كائنا تواقا للحرية العقلانية , فبدأت حالات من الاختطاف التي لا تمت بتفاصيلها إلى التعريف الرئيسي لهذه الظاهرة  وبدأ المراهق يخطف والعجوز يخطف والطفل يحاول في لعبة العروس والعريس أن يخطف حتى ظهرت حالات خطف رغم اعتراض طرف الفتاة ( الفتاة ذاتها ) على عملية الخطف , فأصبحت الأمور تجري غصبا وتتحول من تحرر وانعتاق إلى غصب واغتصاب .
وحين بدأ المثقف يبحث عن حل لهذه المسألة كان يصطدم في أعماق ضميره ووجدانه بما تحتويه هذه الظاهرة من عناصر تناقض , بين حرية يجب الحفاظ عليها وتهور وغريزة وهوى لعوب يجب الكف عنه ومحاربته , فكيف يمكن التعامل مع مثل هذه الظواهر ؟ هل يجب المطالبة بإنهائها أم بالرجوع بها إلى مكامن السر الإلهي فيها وتعشش الحرية في أعماقها  وتنقيتها  من كل ما علق بها من شوائب ؟ وإذا كان الحل الثاني عصيا فسيقول قائل بأن ما أفسده الدهر من المستحيل أن يحل بأقوال وطلبات ونصائح , فالأفضل إنهاء الظاهرة من جذورها .
ولكن يبقى كل شئ متعلقا بالحالات الفردية التي لا يمكن تجاوزها والتحكم بها وخاصة في حالات العواطف والمشاعر كاذبة كانت أم صادقة ولذلك فإننا سنحتكم في النهاية إلى تطور اجتماعي وارتقاء ذهني وارتفاع للسوية الفكرية الجمعية التي من شأنها فقط أن تحد من هذه المسائل وتضع لها الحلول المعقولة وترجع الحالة إلى سويتها الأخلاقية ( إلى حد ما ) والعقلانية .
لقد أثبتت الظروف بأن هذه الحالات لا يمكن لها أن تقف أو تنقص نسبتها في الحالات والأوضاع الاقتصادية المختلفة والتي تؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج سلبية لكل ما هو متوقع من الشح الاقتصادي أو الغنى المادي .
وأما عن ضرورة البحث في هذه الظواهر الاجتماعية فلأنها تخلق الآلاف من المشاكل الاجتماعية والعائلية التي قد تؤدي في أحيان كثيرة إلى أمور لا تحمد عقباها  ولذلك ولهذه الأسباب فإن حرية الفرد الحقيقية في بعض الحالات والمتصورة (في حالات كثيرة في أيامنا هذه) يجب ألا تؤثر على الدفع السلمي للعملية الاجتماعية التوافقية بين ملايين البشر , وتبقى حالات العصيان الفردي أمرا يجب الاحتكام إلى المصلحة العامة في عملية التعامل معها  ولو أن الفردية الشخصية من الأمور التي يجب احترامها والوقوف مليا لأجل استنباط الحلول المثلى للحفاظ عليها من أي دنس .
وفي النهاية يبقى سؤال وحيد أطرحه  ولكن ليس على كل قارئ لهذا المقال بل على ذلك الفرد الشاب  الذي ينوي في سريرته ويعتزم  خطف فتاة معينة وأقول : هل أنت من الأنانية لدرجة أن تسعد نفسك على حساب الآخرين  ومن بينهم أهلك  , وهل أنت من الغباء لدرجة أن تلجأ للهرب من مشاكلك طارحا كل الحلول الأخرى جانبا  , فأين هي إرادتك كشاب يحب الخير ويسعى له ؟  

siyaziya@hotmail.com

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ابراهيم البليهي

لأهمية الحس الفكاهي فإنه لم يكن غريبا أن يشترك ثلاثة من أشهر العقول في أمريكا في دراسته. أما الثلاثة فهم الفيلسوف الشهير دانيال دينيت وماثيو هيرلي ورينالد آدمز وقد صدر العمل في كتاب يحمل عنوان (في جوف النكتة) وبعنوان فرعي يقول(الفكاهة تعكس هندسة العقل) وقد صدر الكتاب عن أشهر مؤسسة علمية في أمريكا والكتاب…

عبدالرزاق عبدالرحمن

مسنة نال منها الكبر…مسكينة علمتها الزمان العبر..

بشوق وألم حملت سماعة الهاتف ترد:بني أأنت بخير؟ فداك روحي ياعمري

-أمي …اشتقت إليك…اشتقت لبيتنا وبلدي …لخبز التنور والزيتون…

ألو أمي …أمي …

لم تستطع الرد….أحست بحرارة في عينيها…رفعت رأسها حتى لا ينزل دمعها،فقد وعدت ابنها في عيد ميلاده الأخير أن لا تبكي ،وتراءى أمام عينيها سحابة بيضاء أعادتها ست سنوات…

فراس حج محمد| فلسطين

في قراءتي لكتاب صبحي حديدي “مستقرّ محمود درويش- الملحمة الغنائية وإلحاح التاريخ” ثمة ما يشدّ القارئ إلى لغة الكتاب النقدية المنحازة بالكلية إلى منجز ومستقرّ الراحل، الموصف في تلك اللغة بأنه “الشاعر النبيّ” و”الفنان الكبير” “بحسه الإنساني الاشتمالي”، و”الشاعر المعلم الماهر الكبير” “بعد أن استكمل الكثير من أسباب شعرية كونية رفيعة”. و”المنتمي…

جان بابير

 

الفنان جانيار، هو موسيقي ومغني كُردي، جمع بين موهبتين إبداعيتين منذ طفولته، حيث كان شغفه بالموسيقى يتعايش مع حبّه للفن التشكيلي. بدأ حياته الفنية في مجال الرسم والنحت، حيث تخرج من قسم الرسم والنحت، إلا أن جذوره الموسيقية بقيت حاضرة بقوة في وجدانه. هذا الانجذاب نحو الموسيقا قاده في النهاية إلى طريق مختلف، إذ…