مُدير شيخاني، بيروقراطية النصّ.. ومأساويّة الواقع

محمد باقي محمد

    ولأنّ أصابع اليد الواحدة ليست متماثلة كان هذا النص، الذي وسمه “ماهين شيخاني” بـ ” المدير”، ليأتي على آفة عالمثاثيّة بامتياز، تتلخّص في شخصنة الموقع، والتصرّف به وفق أهواء بشر مُحصّنين ضدّ المُحاسبة بحكم الفساد المُعمّم، ذلك أنّ العالم المُخلف في عمومه مُؤسس على بيروقراطية مُقيتة ليس منها فكاك!

   ثمّة مُدير ككل المديرين إذن، راح يستغل منصبه في إقامة علاقة مشبوهة مع آنسة تعلم عنده، ولمّا أعياه المكان الذي يلمّهما، لم يجد ضيراً في استعمال سطح المدرسة لهذا الغرض، ضارباَ عرض الحائط بقدسية المكان، لكّن التصاديف تشاء أن تسقط الطائرة الورقية لتلميذ بريء فوق هذا السطح، ليضبط – من غير أن يقصد – الرجل والمرأة في وضع مشبوه، كان السيد المدير خائفاً من الفضيحة، فلم ينتبه إلى أنّ الصغير قد لا يعقل معنى ما رآه على السطح، وضربه ضرباً مُبرّحاً، ثمّ أمره بإحضار وليّ أمره في الغد، وعندما تساءل التلميذ بحرقة أن كيف سيُحضر أباه السجين، انفرجت أسارير الرجل.. العائلة مشبوهة إذن، والطعن في شهادتها أمر هين، فهي غارقة في سوابقها!
   نصّ ذكي، عمد ” شيخاني” في تنفيذه إلى أصعب أنواع القصّ، فاتّكأ على الحوار، والحوار القصصيّ مشروط بالرشاقة والاقتصاد الشديد، بحيث لا يشكّل استطالة عن جسد القصّ، فيسمه بالترهّل، إلى جانب أنّه مُطالب بأنّ يقوم بدور مُحفزات القصّ، ليدفع حركته إلى الأمام، ناهيك عن دوره في تبيان طبيعة شخوصه إذْ ينقل أفكارها! وإذا كان حوار القاصّ لم يتحصّل على هذا الضبط الصارم، إلاّ أنّه نجح في إيصال الفكرة المراد أيصالها إلى القارىء!

   أمّا لغة القصّ، فهي تميل إلى التعبيريّ، لتنسج حواراً يتراوح بين الفصيح المبسّط في معظم مراحل القصّ، والعاميّ في قليل منه، ربّما لوقعنة النصّ! غاب المُجنح ذي الأفياء والظلال والتوريات، فلا انزياح باللغة عن استعمالها المألوف، ولا هدم ثمّ إعادة بناء، مع توخّي الجديد من السياقات والمُبتكّر، بل اتكاء على الأنساق التعبيريّة المألوفة، التي غادرت المستوى الأولي الخام للّغة، المُؤسّس لوظيفة التواصل، لتحيك نسيجاً فنياً قصصياً!
   ولأنّ زمن القصّ – أساساً – لا يتجاوز حدثاً آنياً، لجأ القاصّ إلى كشف مُتدرّج يُحقّق له التشويق اللازم، إلى جانب تنامي الحدث، بيد أنّ القاصّ لم يُعنَ بالمكان إلاّ في الحدود التي يبيّء فيها للحدث والشخوص، فلم يرتق به إلى فضاء قصصيّ يندغم بمصائر أبطاله، ويقف معهم على قدم المساواة، كندّ ينافسهم على البطولة!

   وبمنتهى الذكاء أنهي ” شيخاني” نصّه بالمُدهش، الذي يتوفّر على المفارق، قد لا يكون هذا المُفارق صادماً بحكم التعوّد، بيد أنّه يُعبّر عن المأساوي في حياتنا، فهو لم يأت على السجن السياسي مثلاً، وهو آفة عالمثالثية أخرى بامتياز، لكّن الإحالات الذكيّة لا تحتاج إلى إفصاح، ثمّ أنّنا لم نكن نتوقّع مثل هذه النهاية، ما حقّق لها المفاجىء والمبهر، ووضعنا أما قصّة مؤثرة!

——–

المدير

بقلم: ماهين شيخاني

– افتح قبضتك جيداً..مد يدك..يا غبي أََسرع وإلا سأرفعك فلقة أمام التلاميذ جميعاً..لا تحاول سحبها..أبسطها.
…إياك ثم إياك أيها الشقي..ألم أحذركم..؟ ألم أجمعكم في ساحة الاجتماع وحذرتكم من الصعود الى السقف ومعاقبة من يصعد..؟ألا تعرف معنى الممنوع..؟ أنت…أنت يا(مفعوص) تخالف أوامري …قراري…قرار مدير المدرسة.

– توبة …توبة..أستاذ لن أفعلها…

– مازلت في الصف الرابع، مثل الصوص، خرجت للتو من البيضة و تخالف الأوامر..فكيف لو كبرت…آ..أفتح..سألقنك درساً وسأجعل منك عبرة لمن يعتبر…من علمك بذلك..أ…فكرة الصعود ليست فكرتك..؟إنها مدبرة…مؤامرة..مؤامرة على من…عليَّ أنا آ…حسناً…سأكتب تقريراً مفصلاً وارفعه إلى الجهات المختصة( ومد يده الى ذقنه) وقال: (ولك ما يكون أسمي أبو جاسم إذا ما خليت اللي معلمينك يعضوا اصابيعهم من الندم).هذه مؤامرة..رائحتها فائحة..مكيدة نصبها أعدائي لي لوقوعي في هذه المصيدة..لا..لا..لن يحلموا ابدأ…قل لي من علمك…اعترف .. من وراءك..أبهذه سيوقعونني لأتنازل لهم عن الكرسي (مؤشر بيده الى الكرسي دوار مريح وراء طاولة فخمة).

ردَّ التلميذ ببراءة : ولكن يا أستاذ ما دخلي أنا بالموضوع…صعدت السطح لجلب طائرتي الورقية…ولم أعلم بوجودك والآنسة معاً…فوق السطح…توبة…والله توبة.؟ لن أصعد ثانية ولن أعيد طائرتي إن وقعت من على السطح.

-آه يا شقي وتقول لا اعلم ..تتغابى..؟ وكيف توجهت صوبنا مباشرةً ..افتح يدك..سأشفي غليلي اليوم…كيف انتبهت الى وجهي مباشرةً..آ…تتفرج على أفلام..آ..تعلمت النقطة الحمراء…آ ..ولك لما كنا مثلك…ما نسترجي نرفع رؤوسنا إمام مدرسينا…كنا ننزلها للارض احتراماً لهم.. أما أنت يا حشرة ياللي مالك محل بين الاعراب..تتقدم باتجاهنا وعيونك مثل عيون البوم …مباشرة …أستاذ في حمرة على وجهك وفمك… ولك من وين تعلمت هالشي،الحمرة تعلمتموها ام الدرس فمثل الأطرش بالزفة…يا كسالى.؟

– كلا يا أستاذ والله عندما صعدت السطح..حسبت بان كومة من الثياب وضعها الفراش (الآذن) ولذلك تقدمت نحوها-اقصد نحوكم – حسبت بان طيارتي قريبة منها-ولم اعرف بأنكما (متكومان).

– اسكت أيها النذل..يا عديم التربية …إذا لفظت كلمة أخرى سأفصلك من المدرسة..قال متكومان قال..حذار لو تفوهت بهذه الكلمة..سأزجكم في السجن أنت ووالدك أقول بأنني رأيت منشوراً سياسياً في جيبه يخص والده وبأنك اعترفت بذلك.

– لكن ..لم احمل في جيبي شيء..

– هذا شغلي أنا؟.

– ثم…بنطلوني وصدريتي بلا جيوب .؟عندها قال المدير:

– للمرة الأخيرة أحذرك..لو تفوهت بكلمة لأحد…حتى التلاميذ..أفهمت..سأبلغ الشرطة ليمسكوا والدك ، يزجونه في السجن..(ألا تحب أباك)..هل سمعت..السجن..انقلع ولا ترني وجهك ثانية يا عديم التربية.

(وقبل ان يخرج من الباب) استوقفه قائلاً:

– اسمع..غداً عليك الحضور مع والدك…ولي أمرك أفهمت ؟لا تأتي إلا وهو معك؟.

– ولكن يا أستاذ…والدي .. قاطعة قائلاً:

ماذا..بوالدك..هل توفي في هذه اللحظة…أكذب..أكذب..لقد مر عليً وعلى شاكلتك العديد

لن اقبل أي عذر…مريض …كسيح…مشلول…ما في؟

– ولكن والدي…

– ما به..؟..

– إنه في السجن

)فانبسط فم المدير بابتسامة عريضة ( وقال:

ها…عظيم…عائلة اونطجية…بلا تربية…بلا أخلاق…أصحاب سوابق.

بقلم : ماهين شيخاني .

ملاحظة : احترامي وتقديري للمدراء , هم بناة الأجيال ولكن هناك من لا يستحق التقدير أيضا .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…