حوار مع الكاتب والناقد المغربي محمد الكلاف

  حسين أحمد
Hisen65@gmail.com

محمد الكلاف-  يمثل البيئة الثقافية العربية الصحية بامتياز ، ينفعل و يتفاعل معها بروح اديب وناقد واع وحر الى حد بعيد ، هذا من جانب ، وبروح جدية صارمة  كأنما يحمل على كاهله مخاضات الثقافة والمثقفين في كل اصقاع الارض عبر ما يتناول لهم من دراسات نقدية ، هذا من جانب آخر .

مما لاشك فيه  إنه يكتنز في داخله رسالة مقدسة عبر ما يقدمه حول التجارب العديدة للكتاب في فن القصة والرواية والاعمال الادبية الاخرى. فمن هنا كان لنا هذا الحوار المقتضب الذي تم عبر الشبكة النت الالكترونية مع الكاتب والناقد المغربي محمد الكلاف والذي استجابة لدعوتي مشكوراً.
نص الحوار :

س1- في تصوري أن النقد الأدبي والدراسة الأدبية ما يزالان مقصرين عن مواكبة الحركة الادبية في المشهد العربي كله والمغربي بشكل خاص لعدم وجود منهج نقدي متخصص وجاد لوضع النتاج الأدبي لما هو فيه ضمن ظروفه الثقافية والتاريخية التي نشأت فيه فإذا كنت تعتقد بوجود ظاهرة ادبية في الوطن العربي ، فلماذا يقول البعض بان النقد الادبي غائب عن الوسط الادبي في الوطن العربي.ذلك لان  النقد لا ينتعش إلا في مناخ إعلامي وجدالي منفتح على كل التيارات الثقافية وهذا ماهو مغيب .فالاعمال الادبية موجودة وبكثافة ، ولكن أين النقد الحقيقي ..!؟

محمد الكلاف : لن أذهب معك في توجهك التشاؤمي الذي يتهم النقد بعدم مواكبته للتيارات الإبداعية في الوطن العربي وضمنه المغرب …
صحيح أن النقد ما زال في مرحلة مخاض ، ولم يستقر على حال ، كما أنه ما زال لم يتفاعل بشكل كلي مع الخطابات الأدبية الحديثة والمستحدثة ، نتيجة عدة إكراهات ذاتية وموضوعية ، لكن في اعتقادي أن النقد العربي رهين بالتيارات المتعددة تعدد التيارات الإبداعية…فلننظر إلى الصفحات الثقافية للصحف والمجلات الأدبية المتخصصة ، سنجد بها دائما ما يفيد ويمتع ، حتى أضحى القارئ لا يستطيع مواكبة كل التيارات النقدية العربية المتدفقة كل يوم ، مثلما لا يستطيع مواكبة الإبداع العربي الغزير في العقود الأخيرة ، بفضل وسائل النشر العديدة والمتعددة ، الورقية والإلكترونية …

س2- منذ البداية النقد لم يواكب الحركة الادبية في العالم العربي ..من هنا فدوره اليوم اكبر بكيثر من أي وقت مضى ،فاذا كانت وظيفة النقد هي غربلة الغث من الثمين ،فاين القارىء العربي الذي يميز النتاج الجيد من النتاج  الرديء، هذا سؤال أطرحه. ألا يدل ذلك على غياب ” مفهوم النقد” عن الساحة الثقافية العربية على مساحته المطلقة ..؟؟

محمد الكلاف : هذا السؤال وصيف للسؤال الأول ، وقد سبقت الإجابة عنه ضمنياً …
لقد واكب النقد العربي جل الإبداعات بمختلف أنواعها وأشكالها ، منذ العقد الثاني من القرن العشرين الماضي ، كما لم يكن مقصرا ، ويكفي أن نستدل ب :” غربال” ميخائيل نعيمة ،و”ديوان” العقاد والمازني ، وكتب طه حسين العديدة والمتعددة ،و ” أحاديث في الأدب المغربي الحديث” لعبد الله كنون ، وآخرون ممن أغنو التراث النقدي على امتداد عقود القرن العشرين الماضي ، وازداد تدفقا مع الألفية الثالثة …
فالقارئ العربي الذي هداه طه حسين إلى أهمية (ثلاثية نجيب محفوظ) وجماليتها ، مدعو كي يهتدي بآراء محمد برادة في الرواية المغربية والعربية على السواء ، بالإضافة إلى أنه مدعو بوضع الثقة في فلسفة النقد التي دعا إليها على سبيل المثال لا الحصر ، كل من نبيل سليمان من سوريا ، ومحمد الدغمومي من المغرب … فالنقد حاضر حضور الإبداع وتعدده …

س3- لقد تناول الكاتب والناقد “محمد الكلاف” نتاجات الادباء على سبيل المثال : (الشاعرة فاطمة الزهراء بنيس , والباحث خالد سليكي , والشاعر عبد اللطيف شهبون, والشاعر محمد عماري ,والشاعر المرحوم  كريم حوماري, والقاص صخر المهيف ,والقاصة السورية وزنة حامد….).من هنا اقول : ما الذي جذبك الى تناول نتاجاتهم الادبية  ..؟؟ وهل لها اثر بالغ في حضورك كناقد حبذا لو توضح هذه المسألة .. ؟؟

محمد الكلاف : إيماني القاطع بأن النقد والأدب كلاهما شيء واحد ، وحاجتي للإبداع الأدبي أسباب دفعت بي إلى تناول تجارب هؤلاء المبدعين ، حيث ساهمت بدورها في نضج خبرتي في الحياة (النقد والإبداع)، وهذا ما يهمني بالدرجة الأولى …
إن النقد لم يعد ذاك الرقيب الذي كان يطلبه (هوراسيوس) وبعده (بوالو)، ولا ذاك المراقب بارد الأعصاب الذي تتطلبه شعرية(جاكبسون)، بل إنه الكاتب نفسه ، لأنه عند هذا الحد لم يعد هناك تمييز بين الكلام عن الكتابة والكتابة نفسها ، ولا بين ” النقد” و” الأدب” …
عموما ، فأنا لست حريصا على الحضور في الساحة الأدبية والنقدية ، كمومياء فرعونية محنطة ، يراها الجميع كأعجوبة الزمان … حضوري في الساحة الأدبية والنقدية مرتبط أساسا بما هو متاح على مستوى النشر والانتشار …وما تبقى يؤسسه ” الزمن الإبداعي ”

س4  – من الغرابة عندما يتحول الناقد إلى مجامل  “جزاك الله خير ” ليفقد قيمته المقدسة ويعيش في حالة من الضوضاء…ما راي القاص والناقد محمد الكلاف فيما يجري في المشهد الثقافي العربي  وخاصة فيما يتعلق بكتابات نقدية وهل هو راضي عن ذلك ام له راي اخر ..؟!

محمد الكلاف :  أنت تثير ظاهرة غريبة ، مستشرية في الأوساط الثقافية ، خاصة في الصحف السيارة…أعني ظاهرة النقد العابر المجامل ، والشبيه بفقاعات حبرية …النقد الحقيقي إبداع على إبداع، وهو جهد جبار يضاهي جهود المكابدين الأقوياء ، الذين لا تخلد أسماؤهم بمحض الصدفة ، بل عن جدارة واستحقاق …
فأنا لا أعتبر النقد المشجع مجاملة ، ما دام يساهم في بلورة وترسيخ الفعل الإبداعي …

س5- هل يتفق محمد الكلاف مع الراي القائل : بإنّ النقد ليس ملاذ المبدع فقير الموهبة أو تكملة ديباجة كلّ من يحمل شهادة أكاديمية متخّصصة بالنقد، وهو كذلك ليس مادة مطاوعة لكلّ صحفي استلم زاوية نقدية في صحيفة أو مجلة صدفة أو على حين غرّة أو لتكملة عدد فقط،ولكنّه موهبة شأنه شأن أيّ موهبة أخرى .. هل انت متفق مع هذا الراي ام لك راي اخر بخصوص هذا الموضوع ..؟!

محمد الكلاف :  صحيح أن النقد موهبة ، وكلمة “النقد” تعني لي ممارسة أكبر مجهود ممكن للحصول على الدرر ، ما لم يعاني الناقد معاناة المبدع لن يستطيع أن يقدم أي جديد …
الناقد الفذ هو الذي يبذل قصارى جهده لصقل موهبته ، بالمثابرة في القراءة والكتابة، والممارسة والتجربة …بعد هذا لايهم إن كان الناقد حاصلا على شهادة جامعية عليا ، أو مجرد مدرس بسيط بمدرسة ابتدائية … المهم أن يكون جادا ومجدا في البحث والإبداع …

س6-  الحالة الأدبية للشعر تختلف عن الرواية والقصة، ولذلك فان نقد وتقييم الاعمال الشعرية تتطلب شروط خاصة تختلف عن ادوات النقد للاجناس الادبية الاخرى ,فالشعر كائن ادبي قلق ومتحرك له خصوصية ذاتية تفرض على الناقد حالة خاصة حتى ينجح في نقد القصيدة ، في هذه الحالة تحديدا بمعنى ادق ، كيف يتعامل ” محمد الكلاف ” نقدياً مع الحالة الشعرية كناقد ادبي ..؟!

محمد الكلاف :  تنميط النصوص الأدبية يرتكز على أسس جوهرية لا مجهرية ، مثلها في ذلك مثل التنويع أو الانتماء والتجنيس الأدبي …فالشعر لا يختلف في عالمنا الراهن عن أي ممارسة إبداعية أخرى ( كالقصة والرواية والمسرحية)… ولذلك لا أرى اختلافا في التناول النقدي للشعر عن غيره من الأجناس الأدبية ، إلا ما كان إنصاتا للملاءمة النقدية ، وأعني احترام خصوصية كل جنس أدبي ، وعند تناولي للشعر أجدني أكثر حبورا ، لأنه يحملني على أجنحة مخملية ، ويطير بي في الآفاق الرحبة …

س 7 – ما راي الكاتب والناقد ” محمد الكلاف” في الادب الملتزم اليس من المفروض ان يكون الادب حراً والاديب حراً فيما يكتب ..؟!

محمد الكلاف :  ننخدع كثيرا بالتسميات ، ونغفل أو نتغافل عن قصد أو عن غير قصد جوهر الحقائق و الأشياء …لقد ساد الأدب الملتزم فترة (جان بول سارتر) كما يقولون أو يتوهمون ، وبدا كما لو أنه مات بموته، لكنه مجرد افتراء …
الأدب الملتزم كان حاضرا قبل (جان بول سارتر) وبعده…وما هو مختلف هو مفهومنا للمصطلح ” الالتزام” ، هذا المفهوم بطبيعته متغير تغير الحياة الإنسانية ، وباق بقاءها …ا.ا.

س8- بعد كل هذه الاسئلة ما هي وظيفة النقد برأيك ..؟؟

محمد الكلاف :  وظيفة النقد في رأيي ، هي تمكين المتلقي من الاقتراب من النص الأدبي ، وربط علاقة معه …فالنقد هو الذي يدل القارئ على جمالية النص ، ليقوم بدوره  بإعادة بنائه وكتابته كتابة إبداعية ثانية ، بلغة وأسلوب ثان … فالنقد لم يكن أبدا مشروع هدم بالكلام الجارح ، بل إنه إعادة بناء دؤوبة ومحافظة على التراث ، في إطار من التلذذ … وقد لا نكون في هذا القول قد ابتعدنا عما كان يفهمه (أناتول فرانس) من النقد ، حين كان يعتبره:” فن التمتع بالكتب” …لكن الشيء الأكيد هو أن النقد الأدبي أصبح اليوم في موضع تساؤل …إن ماهية النقد تكمن في وظائفه الأربع، وهي :” الوصف”، “المعرفة” ،” الحكم” و” الفهم” ، وهذه الوظائف تشكل في مجملها لحظات مهمة في تاريخ النقد الأدبي ، وهي ثوابت ومفاهيم تختلف أهمية كل منها مع اختلاف الزمن ، بينما لا يتعطل دور أي منها في الآلية الضخمة لذهن الإنسان …

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…