«الفجر المُخضَّب بالدم»

محمد باقي محمد

“إلى حامد بدرخان الشاعر والإنسان” 

               “ماذا نفعل ؟ إذا كان ثمّة عيد واحد للقبلة وأعياد كثيرة للقتل ماذا نفعل !؟ “
                                         “رياض الصالح الحسين” 

 1 – المخاض:

    عادت الخاصرتان إلى الضغط على الكليتين ضغطاً جامداً ، والمسّ الكهربائيّ يتنقلّل بين الفقرات القطنية .. صرّت أمينة على أسنانها بشدّة ، وهوى باشق إلى أسفل الخانق بعد أن علا في الجوّ .. انتشرت الآهة الآدمية بين الصخور الجرداء الحادة ، وامتدّت يدها إلى جبينها تمسح عنه عرقاً غزيراً ، ثمّ تسقّف بها جبهتها ، لتحجز عن عينيها أشعّة الشمس المحرقة ، والوحشة غول يدفع إلى الجوف الرعب والخواء .. أسندت ظهرها إلى صخرة كبيرة ، وأجالت بصرها المُتعَب في الجبال الشاهقة المحيطة بها من كلّ حدب .. الصخور حدءات جارحة تعيش استعداداً للانقضاض على الفريسة .. لسانها الجاف يحاول أن يعصر نقطة من لهاثها فوق الشفاه المُشقَّقة ، والتربة تنزّ ملحاً .. نظرت إلى الخانق العظيم ، حتى اصطدمت عيناها بحاجز من الضباب يتصاعد بخاره نحو الأعلى ، فأحسّت دواراً خفيفاً ، وتشبّثت بالصخرة بقوة .. الثيران البرية تتراكض في بطنها الناهض ، وأصابعها تضغط عليه !
    2 – عند الفجر : 
    والفجر لون رماديّ تحته ارتفعت صدى الانفجارات .. الأرض تترنّح وتميد تحت الأقدام ، ثمّ تُسحَب ، والرعب كابوس مخيف ، تحته خرج الفلاحون من دورهم ، وبقايا النوم المُغتال ينسحب على زوايا المقل .. الناس تتقاذف .. تتبعثر .. تنكمش .. تصطدم عبر الاتجاهات الأربعة ، والأجساد تبدأ بالتساقط .. عينا أمينة تحوّلتا إلى ” كاميرا ” مذهولة تسجّل في اللاشعور الخوف والموت والدمار ، والرشاش كلب مسعور يعوي فوق الصخرة ، يعزف لحناً جنائزياً ، أوتاره قزقزة الأوردة والشرايين تحت الضغط .. القطيع يتموّج ويتصادم ، والأطفال تدهسهم الأقدام ” والأطفال في عرف اللّه – سبحانه – طيور الجنّة ” أو يحصدهم الرصاص .. الصوت الآدميّ المتألّم يصطدم بالصخور ، ويرتدّ إلى ذؤابات الأشجار ، فأنقاض المنازل ، ثمّ يتزوبع في الفضاء العابق برائحة الغبار والنار .. الطلقات تئزّ حول الأهالي .. تشقّ طريقها عبر اللحم .. تفلح الأرض المُتربَة .. أغصان الأشجار، وتزمجر غضباً حين تصطدم بالصخور، تريد أن تحصد الحجارة والتراب والشجر والبشر، والقطط تتابع الركض حين تهاجمها الكلاب.. الدم ينبثق .. يشخب .. يشخب بغزارة على التراب والشجر .. على الصخور والأبواب الخشبية ، وفي مفارق الطرق والدروب الضيقة .. عبر الساحات ومساربها الموحشة .. المنازل تتقوّض وتنهار .. بدأت الدائرة المُغلقَة تضيق ، وكلّ شيء يظلم .. يخرج عن المألوف ، ويدخل جسد الغرابة !
   3- النداء:
    كان نداء “هجار ” حنوناً ، وأحسّت أمينة بأنّها لا تستطيع مقاومة هذا النداء ، فآدم وحواء طُردا من الجنة .. تسلّقت يداه ردفيها ، فشعرت برعشة تتنقّل في أعماق الحوض ، والماء يتنقّل في حقلهم الصغير .. امتصّ نهداها رحيق اليدين وهما في طريقهما إلى العنق، وغابت في الرائحة المنتشرة من أرجاء صدره، تخترق جغرافية جسدها.. الأشجار مُثقلَة بالثمار ، والنهدان غصنان ينوءان بحملهما ، والسماء إناء مقلوب يلتقي بالأرض ، ومن خلال عينيها نصف المُغمَضتين ، كان الفضاء الرحب يلتمع بالضياء .. يدها تتحسّس ظهره ؛ بعد أن أضحت بين صدره ويديه ، وحلمتها تتحسّس الغابة .. يضغط ، فيتوحّد إحساسها بالأرض ، وتتغلغل الحشرات في جذور الشجر ، والخدر يتسلّق الساقين .. يلج بين فخذيها .. يزداد ضغطه على الصدر ، فتصرخ مسام الجسد ، تطلب المزيد .. يتحطّم شيء ما في داخلها ، ويتوحّد العرق برطوبة الأرض ، تفقد الإحساس بالزمن ، والدم توهّجات تتوحّد بحبات التراب الملتمعة بالضوء القادم عبر أوراق الشجر ، تسقسق بضراوة في الشرايين ، تريد الانفلات منها .. الحقول ترتوي بالماء ، والعرق يتوحّد فوق الساحات ، ويتّجه نحو مسيل الصدر ، ليسقي الزيزان والخزامى !

     4 – الرشاش يكمل حكايته :
      ذهنها يعيد تشكيل الصور ، رشقة ، ويتوقّف حسين أومري عن الركض .. ذراعاه تلوّحان في الهواء ، ترسمان دائرة من الهلع الدهش .. الدم ينفر من عينيه، ثمّ يسقط، وفوقه تسقط شجرة فستق.. الكلّ طيور بريّة تثب من مكان إلى آخر، والصيّاد وحش يطارد الفريسة، يريد منبع الدم.. تمزّق الرصاصات صدر فاطمة حيدري ، فتلتفّ حول نفسها كالزوبعة ، ثمّ تهوي بفم مفتوح ، وخيط من الدم يسيل داخل الفم مع الحشرجة ، يختلط مع التراب ليرويه .. الطلقات شياطين محبوسة تتدافع للخروج ، والدخان والغبار سحب داكنة فوق سماء ” هكّاري ” .. نفرت دمعة من العينين تبكي الأطفال تغتال أمانيهم الرصاص !
     تدفّقت موجة الأهالي نحو المغارة تدفّق مياه السدود الحبيسة .. طوفانهم حاول الوصول إليها .. البعض وصلها ودخل ، والبعض تلقّاه الرصاص بفرح وحشيّ – فالرصاصة في اللحم لا تتساءل من أين جاءت ، وفي جثّة القتيل دوماً تسكن الحقيقة – فسقط على الطريق ، والماء يهرب في شقوق الأرض وأغوارها ، كان عسكر الترك قد دخل القرية من جهاتها الأربعين ؛ ينثرون الموت فوق ساحات الوطن ، لعلعة الرصاص تتابع الهاربين فوق الصخور ، وبين الأحراج ” يجب ألاّ يبقى منهم أحد .. كلّ شيء يجب أن يُطمَر معهم !”
    والآلة حلّت محلّ الإنسان ، كانت الآلة غريبة من نوعها ، ولم تكُ أمينة قد رأت لها مثيلاً ، زمجرت الآلة بقسوة ، وهي تدفع أمامها الحجر والجثث والتراب والصخور والشجر وأنقاض المنازل .. اتّسعت حدقتا العينين
، وشهقت واضعة يدها على فمها ، حين راحت الآلة تهيل التراب على مدخل المغارة لتسدّها .. ” ربّاه .. سيُخنَقون!”

    5 – منارات:
     الدم يتدافع في وجنتيها ، والخجل صفة للمرأة .. حادت عيناها عن شعاع عينيه .. ” أمينة أحبّك ” .. شيء ما يسحب قلبها نحو الأسفل ، والركبتان تيبّستا .. نبتتا في الأرض ، وتحولّت أمينة إلى شجرة لوز .. ” في موسم الكرمة أخطبك ” .. سرح خيالها في الرقصة الإيقاعية الجماعية ، وعادت إلى خزّان الذاكرة تنبش ذكرياتها عن الأعراس ، لتتوّج بها جبين هجار ، وعندما قبّلها للمرّة الأولى ؛ شعرت أنّها ورقة في مهبّ الريح .. كلّ شيء فيها ارتجف، وطارت العصافير من صدرها تزقزق في كلّ اتّجاه !

    6 – الرنين:
     على الصخور آثار أقدام بشريّة مرسومة بالدم ، وفي نهايتها امرأة حامل تستند إلى صخرة كبيرة .. عادت الأدوات الحادة تعمل تقطيعاً في جوفها .. فتحت عينيها .. كانت السماء عميقة الزرقة.. أبعدت خصلة الشعر المتجمّدة فوق جبهتها بفعل العرق المالح، والشمس سياط تلهب ظهر الصخور بعد أن علت كبد السماء.. بدا الوادي أكثر عمقاً بعد انقشاع الضباب .. تحاملت أمينة على نفسها ، وبدأت السير فوق أرض تترنّح تحتها سكرى ، وسماء متماوجة .. كل ّشيء يهتز .. يتراقص ، وعيناها لم تعد تميّزان الأشياء .. الصخور تتداخل بدغول البلاّن، وأشجار الفستق، وأجمّ الجوز واللوز والسنديان، وشجيرات الخرنوب البريّ، والطريق يميد .. يتلوّى، ويتشعّب .. يتلافى الوهاد .. يضيق إلى حدّ انعدام الملامح، وتهجم عليه أغصان الشجيرات بضراوة، لتغتال الباقي منه، وتمزّق الثياب عن كتفها أو ردفيها، وتدميهما.. الجبين عاد ينضح عرقاً .. قضمت بعض الأعشاب، فالتهب جوفها أكثر، وتعثّرت ! 
    وحين أشرفت أمينة على السفح الجنوبي، هبّت عليها ريح رطبة مُفعمَة بالعذوبة، وابتعدت قبّة السماء أمّنا الأرض ” سننجو .. سننجو ياولدي ! ” .. سهول الجزيرة تمتدّ على طول الأفق، تموج تحت الضوء، وتملأ السموات بالأريج والأمل .. قوة سحرية تتسرّب إلى داخلها، تحيي ما بقي فيها من نسغ، رغم المخاض .. أحسّت بالرخاء، وقلّ تغضّن الجبين، والطريق ينحدر بها ” أبشر يابنيّ .. الحدود أضحت قريبة .. فقط يجب أن نتخلّص من المرصد التركي!” .. ربتت على الجنين، وقوّست ظهرها، وهي تنتقل من صخرة إلى صخرة .. الألم يمزّق رحمها مع كلّ انحناءة تدفعه للتّقلّص أو التمدّد ” الألم أو الموت .. لكنّها يجب أن تصل .. الحدود أضحت على بعد أمتار!” فجأة .. سمعت أمينة بكاء طفل وليد .. نظرت إلى بطنها بهلع .. كان البطن قد فقد ارتفاعه .. فرّت الطيور من عينيها ، وهبط قلبها إلى الأرض .. نظرت إلى الوراء .. كان الجنين على بعد أمتار .. ” بنيّ ! ” .. عادت تركض .. زخّة رصاص من المرصد التركيّ، والجنين والمشيمة يتحوّلان إلى كتلة من اللحم والدم .. شهقت أمينة، وغطّى أفق عينيها لون أحمر.. احمر طغى على الجبال والأشجار والصخور .. على الأرض والسماء وطيور الحنّ الفزعة، التي راحت تفرّ من صوت الرصاص .. أحمر يتصاعد من أخمص القدمين نحو قمّة الرأس .. يفيض .. يفيض، والشهب لعنات تنصبّ على الأرض .. تحجّر الدمع في عينيها .. نظرت إلى الكتلة بذعر .. اختطفتها بسرعة، ثمّ ارتدّت على أعقابها لتجتاز الحدّ، فاستقبلتها رصاصة من الجانب الآخر للحدود أحدثت ثقباً صغيراً تحت ثديها أليسر .. تباطأت حركتها، وتفجّر الدم يصبغ شاهدة الحدّ .. سقطت على ركبتها .. ابتسمت .. أطياف الأطفال تركض نحو الشمس، ثمّ توحّدت مع الشاهد الحجريّ، وأظلم كلّ شيء !

                      هامش: الخميس 12 أيلول، أفاقت تركيا على أصوات البنادق،
                      تدقّ الأرصفة معلنة استلام العسكر للسلطة ! “الحرية” العدد 983.

    7- قرار:
     أنا أمينة علي .. وُلدت من رحم القهر، وعلى يديه رحلت، وأنا الشاهد الوحيد على ما جرى في قريتنا، وعملاً بوثيقة حقوق الإنسان، وحيث أنّ ما حدث يجب أن يصل إلى أسماع العالم، وحيث أنّني متّ قبل إيصاله، أقرّر ما يلي :
     ” أيّها الجسد الفاني، الذي سقط على شاهد حجريّ أصبح رمزاً لقبرك، تفاعل مع عوامل الطبيعة.. مع الشمس .. مع الريح .. مع الليل .. مع الماء، علّ العالم يسمع ويرى .. علّم الطريق بأظافرك .. بيديك .. بأسنانك .. بالحجر !

    8 – هملت يستيقظ مُتأخّراً:
     هنا إذاعة مونتي كارلو .. هنا إذاعة صوت فرنسا الحرة .. هنا موسكو .. هنا واشنطن .. نشمّ رائحة تعكّر صفو احتفالنا بأعياد السلام عام ألفين و… ! من أين تأتي هذه الرائحة !؟ من أين !؟ من أي ! من أ ! م !!!؟

     أنا أمينة علي .. وُلدت من رحم القهر، وعلى يديه رحلت، وأنا الشاهد الوحيد على ما جرى في قريتنا، وعملاً بوثيقة حقوق الإنسان، وحيث أنّ ما حدث يجب أن يصل إلى أسماع العالم، وحيث أنّني متّ قبل إيصاله، أقرّر ما يلي :      ” أيّها الجسد الفاني، الذي سقط على شاهد حجريّ أصبح رمزاً لقبرك، تفاعل مع عوامل الطبيعة.. مع الشمس .. مع الريح .. مع الليل .. مع الماء، علّ العالم يسمع ويرى .. علّم الطريق بأظافرك .. بيديك .. بأسنانك .. بالحجر !

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…