الإقتصاد، الإله الماركسي الذي قضى على أتباعه

خالص مسور

يقول ماركس ما معناه، إذا أردنا أن نحكم على فكرة ما يجب أن نضعها في زمن ولادتها وعصرها، وهذا ما يدلل على التاريخانية في الفكر الماركسي أي أن الفكر والأيديولوجيات والنظريات تتطور وتتغيير مع الأيام والمراحل الزمنية شأنه شأن ما يسمى دياكرونية اللغة في علم النقد الحديث. واعتماداً على هذا الأمر وبعد فشل الماركسيبة السياسية أو المؤدلجة وحتى الفكرية أيضاً، يرى الشيوعي المخضرم السيد كريم مروة أن التغيرات السياسية والمسيرة الإيديولوجية في الماركسية حاصلة وأن الحزب من طراز الحزب الشيوعي اللينيني يبقى هو أداة التغيير ويقول: (لكن الحزب الذي ورثناه،الحزب اللينيني المعمم، لم يعد صالحاً للمهمات الراهنة). الطريق العددان 5-6- 2003م –  ص- 36.
ومن هنا أيضاً نرى أن مستقبل اليسار سيكون قاتماً إن لم يستطع تجديد نفسه وتغيير الكثير من ثوابته ومقولاته التي أثبتت الأيام عدم صحتها واهترائها وخاصة بعد انهيار الإتحاد السوفيتي السابق، وفي هذا نرى مفكراً مثل (ألان تورين) يقول بالحرف: (يتطلب من الفكر اليساري تجاوز الراهن ولكن ليس هناك اليوم فكر سياسي نتجاوز به هذا الراهن المستهلك،  لكن دون أن نجد العلاج الأمثل للحاضر ونتهرب من الأوضاع الحالية باسم المستقبل…) هكذا فالأحزاب والقوى اليسارية يجب أن تعبر اليوم وتدافع عن الآخر المختلف أو الذات المغايرة، وعن كل القوى التي تعبر عن التنوع الثقافي وعن التنوع الإثني وحقوق الأقليات وحق الشعوب في النهوض والمساهمة في الحياة الاقتصادية العالمية.
وفي الحقيقة وبمزيد من التأمل والدرس، نرى أن الكثير من المفاهيم الماركسية قد تحولت في فترة معينة وحتى اليوم إلى إيديولوجية ميتافيزيقية تعيق مسار التطور والتغييرفي مسيرة السياسة والمجتمعات العالمية التي تتطلع إلى النهوض في مختلف سوياتها الحضارية. ولهذا يمكن القول وبكل جرأة أن الأزمة تكمن في جوهر المفاهيم الماركسية وخاصة في كاريزماتها الأساسية، وفيما أسمته هي بالمادية التاريخية تلك المقولة الماركسية الشهيرة التي حاولت التمحور حول العامل الإقتصادي وإعطائها الأولوية على باقي الظواهر الإجتماعية وتهميش الجوانب الأخرى في الإنسان كالجوانب الروحية مثلاً وقد نسي ماركس أن ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان. فـحتى (لينين) مثلاً كان لايأبه لهذا الجانب ويرى أنه لايمكن بناء الإشتراكية دون تحييد وتحجيم دورالدين. وهذه النزعة الإقتصادوية المرتكزة على الجانب الاقتصادي وحده في تفسير وتغيير تاريخ المجتمعات البشرية والتي استندت إلى فكرة التقدم المستند بدورها الى التطور المتواصل للقوى المنتجة، هذه النزعة أدت إلى إلى الوصول إلى نظرية ماركسية عرجاء بقدم واحدة، مثلما نعت ماركس يوماً الديالكتيك الهيغلي بأنه يقف مقلوباً قدميه نحو الأعلى ورأسه للأسفل. كما خاب آمال ماركس بانهيار الرأسمالية الإحتكارية أو الإمبريالية العالمية تحت وطأة تناقضاتها المستعصية والتناقض الأساس بن الإمبريالية والتكتلات العمالية متآزرة مع البرجوازية الصغيرة.
لكن أثبتت الأيام ومن خلال الأزمات التي تعرضت لها الرأسمالية والتطورات الدراماتيكية المتلاحقة والمثيرة لاقتصادات العالم، عكس ما ذهب إليه ماركس حيث أبانت الرأسمالية قدرتها الفائقة على التجديد والتلاحم بعد كل أزمة تعرض لها، معتمدة التكنولوجيا والمؤسسات العالمية وأنماط التسيير…الخ. لكن الظاهرة الأبرزاليوم والأكثر دراماتيكياً على صعيد بنية الكاريزمات الأساسية للنظرية الماركسية، هي تراجع المثير لدورالطبقة العاملة كأحد قطبيى الصراع الرئيسيين في العصر الرأسمالي، ومن خلالها انحسار الصراع الطبقي الذي كان المحورالرئيس الذي عول عليه ماركس في بناء نظريته الإشتراكية، وحلمه بالوصول إلى عالم تنتفي فيه الطبقات وتخلومن استغلال الإنسان للإنسان. والإثارة تكمن فيما اعتبره ماركس بأن الصراع الطبقي هو محرك التاريخ.
ومن هنا ندرك مقدار الضعف والشلل الذي اعترى المحرك الماركسي العتيد وتوقف عجلة التاريخ وتصدع بنيان نظريته التي بدت طموحة أكثر من اللازم. واليوم وبعد تصدع وانهيار بنيان أول تجربة اشتراكية في العالم يزدالد المحرك الماركسي تباطؤاً، وخاصة في ظل تنوع الأفكار اليسارية والطروحات الإيديولوجية – السياسية التي تطرحها وما يدور بينها من تنافس على انتلاك زمام الامور، والتلميح والتصريح من قبل هذه المكونات على أنها تمثل الأفكار الإشتراكية الديلة عن الماركسية والآخرالمختلف عنها، ومن هنا ندرك بأن الدعوة إلى الماركسية الماضوية بمثابة شبه المستحيل أو تكون على الأقل عديمة الجدوى وسط هذه التنوعات الأساسية المختلفة، وخاصة أن ماركس نفسه كان يؤمن بالحتمية التاريخية والإجتماعية وحتى إنه رآى أنه لايمكن فهم دلالة نظرية ما بمعزل عن الممارسة التاريخية والاجتماعية التي تتوافق معها والتي تتغلغل داخلها وتشكل ستاراً لها. وخاصة أن الاحداث الدراماتيكية التي جرت في الدول الإشتراكية السابقة أثبتت وهن وهشاشة مقولة كبرى من مقولات النظرية الماركسية ألا وهي مقولة البنية الفوقية والتحتية. البنية الفوقية متمثلة في الدين، والفن، والأفكار، والإيديولوجيات، والتي اعتبرتها ماركس لبنات أساسية تبنى فوق أساسات البنية التحتية، أي أن البنى الفوقية ترتبط في تطورها بتطور البنية التحتية كالقوى المنتجة وعلاقات ووسائل الانتاج…الخ.

ولهذا وبناء على ماسبق نقول: لم تثيت النظرية الماركسية صدق مقولتها حول أن الرأسمالية تزرع بذرة فنائها بنفسها، والبذرة ليست هي سوى الطبقة العاملة والتناقضات والأزمات الدورية التي تنتاب الرأسمالية بين فينة وأخرى، وقد أثبتت الأيام عدم صدقية ما ذهب إليه ماركس، لأن من الواضح أن الرأسمالية تحمل معها بذرة انتشائها وتجددها في نفس الوقت، مثلها مثل الثعبان الذي يسلخ جلده كلما ضاق عليه جلده القديم.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…