حينما تتزوج المرأة القضية

لافا خالد

حينما يفكر المرء في وقتنا هذا كيف تحمل المرأة السلاح وتمارس لعبة الموت اليومي ،كيف تترك عالمها النابض برومانسية القصيدة وأحلامها الموؤدة، كيف تودع الحارة وذكريات الطفولة، كيف تتخلى عن الملابس الفاخرة كلغة تخاطب من خلالها الرجال وتقتنع بالرمادي لونا ورمزا للانتماء، تهجر حافات المدن ومراكزها حيث العواصم الغربية وتعانق الطبيعة وتتوحد فيها، تتخلى عن حقها في الحب الفردي ومن ثم حقها بالأمومة مقابل زواج جديد وطقوس جديدة لتلك العلاقة والزيجة…
أسئلة تحمل في طياتها تعددا في الإجابات ولكن الأكيد إن خطوتها الأولى صوب الجبل كبؤرة وهوية وتخليها عن ذاك العالم الصاخب والملون تقنعنا رغم الكم الهائل من الأسئلة الحائرة عن أسرار هذه القوة الكامنة في ذات هذه الأنثى القوية والشجاعة جدا

بدورنا ربما نتفق أو نختلف مع و على هؤلاء الفتيات، عن فكرهن والية النضال، ولكن، أن تختار الحجر وسادة لأحلامها و تجعل من الثلج وأحيانا المغطاة بالأحمر القاني طريقها باتجاه ما نعتبره مجهولا وهي متيقنة أنه الحلم القادم المتحقق، يفرض علينا أن نقول إنها (المرأة و القضية) إن كانت في الجزائر و جميلتها (جميلة بوحيرد) آو فلسطين وليلاها (ليلى خالد) أو في الجبال المغطاة بالثلوج حيث مئات القصص عن نساء الجبل الكرديات، أو في أي مكان ما من هذا العالم الممتد اتساعا، حينها و بكل تأكيد تستحق كل تلك النسوة اللواتي تزوجن القضية أن يقال لهن : أي شجاعة وقوة تمتلك الأنثى ؟
نماذج من حكايات المرأة في حضن الجبل
لن يلتقي الجبلان، هكذا تقول الحكمة القديمة، وبالذات ما كان على شاكلة قنديل و آثوس، يفترقان في تضاد الاتجاه والموقف على صعيد الجغرافية والانتماء… انطلقت ألفتريا فورتولاكي التي انضمت لحزب مختلف تماما عن قوميتها باتجاه عالم قنديل وأدارت ظهرها لجبلها اليوناني آثوس، فجبال آثوس يُمنًعُ فيه النساء، بل وحتى أنثى الحيوانات بقرار من الآلهة ثيوتوكوس ، الفتريا رفضت هذا المنطق المجنون واختارت دربا لا يستطيع أن يسلكه إلا من كان شجاعا لا بل شجاعا جدا .
كتبت ألفتريا قبل إن تقدم على عملية يمكن وصفها بساموراي الثورة حينما أضرمت النار في جسدها (أمي كانت تقول لي: أنت لا تحبين وطنك اليونان، ولذلك تتكلمين غير لغتك ) أمي! إنني أحب اليونان فاليونان وطني، ولكني أحب بلاد الكرد أيضاً وكأنها وطني. إني أحب اللغة اليونانية كثيراً لأنها لغتي الأم، ولكني أحب أيضاً اللغة الكردية.أمي! أيتها الأم العزيزة! أخوة الشعوب أمر جد جميل، أما رفيقتها شيلان فقد كتبت : أبدأ في الوقوف أمام هامة آلهتي داخل معابدهن، وأنحني بهامتي أمام عظمتهن، ولكي أكون رفيقتهن أعلم بأن شرطهن هو الطهارة في نار معبدهن، في تنظيف الفكر والروح من القذارة والظلام، والشرط الثاني التي تضعها آلهتي أمامي هي الانتصار في اللحظة، بل انتصار الحرية في الذات واجتياز الذات، مثل التضحية بدون مقابل في خدمة الوجود الحر) وتجيبها رفيقتها فيان جاف وهي من كرد العراق (أريد إخباركم أنه قد حان الوقت كي أصبح جواباً للدول المهيمنة والرجل المتسلط الكاذب) وللدكتورة الألمانية ميديا والتي التحقت قبل أكثر من 16 عاما بجبال قنديل أكثر من قصة في علاقة الجبل بالمرأة، تلك العلاقة التي كانت محوراً لفلم (نساء جبل ارارات) للمخرج الفرنسي ” أروان برياند ” حيث السرد الإنساني وبعيدا عن الأيديولوجية لعلاقة المرآة المقاتلة بالجبل ومفاهيمها عن مفردات الحياة، والتي لخصتها إحدى المقاتلات في الفلم بعد أن تركت أوروبا وحرياتها الفردية المطلقة لتقول وبالفرنسية : ” لم أجد حريتي سوى بين هذه الجبال التي تراها، اصرخ كما أريد واحلم كما أريد )
بعيدا عن الايدولوجيا
مثلما يحن الرجل لقهوة أمه وساحات مدينته في كينونة قضيته واختياره للمناطق الرخوة للطبيعة إن كانت جبالا أو غابات آو صحاري ليمارس ومن خلاله تغيير الجغرافية والعلاقات فان نساء الجبل ومقاتلاتهن وهن ألأكثر ارتباطا بقصص الحب الإنسانية، كلهنّ نساء رائدات آمن بمبدأ واقتنعن بأن القضية أية قضية هي شريكة فاعلة للرجل، لسن نساء جامدات كلهن يحلمن بالسلام والحب والأصدقاء ويعشقن أن تحمل أرحامهن أطفالا جميلين جدا ولكن لظروف ما يخطط لها رجال ورجال كثر وكبار آثرن على أنفسهن حرية القضية وبالتالي حريتهن، وهو ما يؤكده الساسة وعلماء الاجتماع حينما يبحثون عن ظروف القهر القومي والاجتماعي والطبقي لظاهرة زواج المرأة من القضية وقصائد عشقها للبندقية، النساء يسألن عن النتائج المترتبة وبالأخص على صعيد علاقة الأنوثة بقسوة الجبل حيث النوافذ المشرعة دوما تحت الصفر المئوي تصل للتجمد وما فوقها بقليل على صعيد التواصل المباشر مع مخلفات عصر التكنولوجيا. لم ترمي هي ثوب زفافها كي تكتحل ببارود حِناء ليلتها اختياراً فهي لم تختار، فالعشق والتصوف طبيعة المرأة حينما تختار، وان كانت البدايات تصوفا دينياً كما هو عليه الحال مع الراهبات اللواتي اضربن عن الزواج، والذي يتكرر عن نساء في حضن الجبل بصيغ ومفاهيم مختلفة ( كيف لي أن أتزوج والثورة هي العشق و العاشق والمعشوق، كيف أتزوج والبنادق تتحاور؟ كيف أتزوج ونحن نتبادل لعبة الصياد والطريدة؟ كيف أنجب الأطفال واني أدرك إنهم سيتحولون إلى بقايا أشباح وأرقام قابلة للنسخ والإقصاء؟ هكذا تقول كل واحدة تركت العالم من خلفها صوب الجبال العالية الوعرة ، وللجبال حينما ترفع البنادق ألف حكاية وقضية واحدة، هي قضية المرأة قبل أن تكون قضية الرجل، قضية الإنسان قبل آن تكون قضية صراع الأقوام والحل لهذه القضايا إن كانت جبالا آو غابات أو مخيمات فلسطينية محاصرة بأسلاك السياسات الانتهازية الدولية يتمثل بتغيير علاقة الرجل بالمرأة، علاقة الطبقة بالطبقة والتي تنعكس على العلاقة بين الشعوب كما انعكس بشكله ألتضادي بين شعوب منطقتنا.

الثرى

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…