وخير جليس في الأنام كتاب*

 محمد قاسم

عندما كنت طالبا جامعيا- حدث أن دخلت المستشفى للعلاج..وفي تلك الفترة ادخل طالب جامعي آخر –قسم اللغة الفرنسية- كان اسمه شاكر …كان الميكروباص قد داس  كعب رجله  فهرس لحمه..كنت أشبّه المشهد بكمشة برغل على  مادة لاصقة..و عندما جاء الطبيب المعالج طلب ممن لا يرى في نفسه التحمل أن يخرج من الغرفة. لكني لم افعل على أساس أني قوي التحمل،وبقي شاب آخر يدرس الرياضيات اسمه إبراهيم،كان رجلا خفيف الظل يذكرني بالممثل عصام العبجي.. ويلبس مثله، بيريه على رأسه.ولكنه انحف وجها وجسما..وقد كانت الممرضة اسمها بشرى،فأمسكت قنينة المطهر لتقطر منه على الجرح الذي تناوله الطبيب بالقص دون تخدير ليحس المجروح بالحد الفاصل بين الميت والحي من الأنسجة والخلايا..ولكم أن تقدروا الموقف ومدى صعوبته..
كان إبراهيم مما يلي القدم وأنا كنت عند رأسه..وبدا العمل.
  الطبيب يقص لحم كعب الرجل والممرضة تقطر عليه بالمطهر وشاكر يتألم ويتأوه  وأحيانا يصرخ عندما ينال المقص من الجزء الحي ..ولكن لسانه -خلال الفترة كلها – لم يلهج بشيء سوى نداءات دينية وتضرع:
يا إلهي.. لا حول ولا قوة إلا بالله..اللهم صل على محمد..  وأحيانا يناديني وهو  يصرخ ويتشبث بجسمي بقوة ..يا أخ محمد…حتى تمت عملية قص الجزء التالف من النسيج..والطريف هو أني في لحظة ما شعرت بدوار أثاره فيّ منظر الدم النازف من كعب الرجل أثناء قص الطبيب له..فطلبت أن يتولى احدهم مكاني ريثما أعود،قيل :هل بك شيء؟ قلت لا ..لكني ما كدت أصل إلى المغاسل حتى وضعت راسي تحت صنبور  الماء البارد حتى استقرت نفسي..وعدت لأكمل وظيفتي الشاقة..وسأظل اذكر لهذا الـ”شاكر” صبره وجلده وروحانيته في ظرف عصيب كهذا…وفقه الله.
المهم…
كان الناس الذين يزورون المرضى –ولا يزالون- يصطحبون هدايا غالبا ما تكون علب البسكويت أو السكاكر  أو الحلويات أو ما شابه..وطبعا هناك من يصطحب الورد في حالات معينة..
أما صديقنا شاكر هذا فقد تركته في المستشفى بعد تخرجي وقد اكتملت لديه بنية مكتبة جيدة يمكنه أن يؤسس عليها..فقد كان أصدقاؤه يصطحبون هدايا هي عبارة عن كتب . وأحيانا يشترك أكثر من واحد لتكون الهدية كتابا قيّما..
أعجبتني الفكرة..وتمنيت لو أنها أخذت طريقها إلى أغلب الناس وخاصة المثقفين منهم..وقد روّجت للفكرة في المنطقة..وحاولت أن اتبع الطريقة في مناسبات عديدة منها مناسبات النجاح في الثانوية والإعدادية  وافتتاح عيادات ومكاتب…بل لقد أهديت خطيبتي خلال فترة الخطبة القصيرة كتابين هما متواضعان ولكنهما معبران،احدهما “رباعيات الخيام” كتبت في الإهداء:
“عزيزتي هيفي
عمر الخيام رجل جمع بين الحكمة والعلم والأدب ورباعياته من روائع أعماله بصيغتها الشعرية ومضمونها  العميق.
أرجو أن تجهدي لتقطفي من أثمارها كل ما لذ وطاب
واسلمي لخطيبك ….”
 وكان الكتاب الثاني “كليلة ودمنة”
للأسف لم تأخذ الفكرة مداها حتى الآن..فلا زال الناس يهتمون بالبطن والمظهر  أكثر من العقل والحكمة…بل أكاد اجزم بان الاهتمام بالكتاب يتراجع أمام المظاهر والبطن..
ومن العادات التي هي جميلة وشبيهة، ما يحدث من اهداءات الكتب من مؤلفيها إلى بعض الأصدقاء والمعروفين من المثقفين..!
من حسن الحظ أن هذه العادة لا تزال موجودة بوتيرة ما..
 والشعور الأجمل-ربما- أن يتلقى المرء هدية من مؤلف لا يعرفه مباشرة..ربما تعرف إليه عن طريق النت أو حديث البعض خاصة الذين ليس لهم كتب مطبوعة ..
ولكن الملاحظة –هنا- تتعلق برد الفعل تجاه هذه الكتب المهداة..
فبعض المؤلفين يتخذون ذلك وسيلة للشهرة…وبعضهم يتخذونه  لجمع المال… وبعضهم يرى في المناسبة فرصة لمد جسور المودة بينه وبين أقرانه…الخ.
وإذا كانت الشهرة مهضومة –بمعنى ما- لأن نشر الكتاب أساسا يحقق شيئا من ذلك-قصد صاحبه أم لم يقصد- فإن اتخاذ ذلك وسيلة لجمع المال-بيع الكتب بطريقة تجارية –اجتماعية –إذا جاز التعبير…قد لا تكون مهضومة إلا في حالات خاصة جدا- عندما يتبنى جمع ما الوسيلة لعون مستحق يعاني قسوة الظروف المادية فيما هو متميز في عقله وعلمه…فهذا يستحق احتضان المؤسسات له-كالأحزاب والتجمعات الثقافية والاجتماعية…والدولة على رأس الجميع طبعا..شريطة التميز فيما يطبع..
لم هذه المقدمة –التي اعتدت على مثلها كلما أردت كتابة  مقال..حتى باتت جزءا من مقالاتي المختلفة..ولا ادري مدى القبول لدى القراء لهذا الأسلوب..!
قبل أيام كنت أمر في البازار فاستوقفني  شاب يقود دراجة  وبعد التحية قال:
لقد أرسل “ديلاور زنكي” نسخة من ديوان شعره..فأين تريدني أن أوصلها لك؟
طبعا كان يمكنه أن يوصله إلى البيت بنفس الدراجة التي كان يركبها –وهو يعرف البيت…بل هو يرتاد بيت خاله القريب من بيتنا.ولكنه لم يفعل ولا ادري لماذا؟
المهم حددت له مكتب صديق محام لكنني فوجئت به عند عدنان ..لا مشكلة طبعا لكنها ثرثرة أحيانا نشتهيها..أو نود أن نلفت إلى أن  هناك دوما ما هو الأجمل من الفعل.
ولابد –طبعا-من شكر كل المساهمين –هنا-” ديلاور” الذي أبدع شعرا وخصني بنسخة منه ..و”الشيخ توفيق الحسيني” الذي ترجم الديوان من اللغة الكردية إلى اللغة العربية بكفاءة لغوية عالية لم تشفع له لأحجب عنه ملاحظتي التالية وهي:
إنه بالغ في الاهتمام باللغة على حساب الروح الشعرية بدرجة ما-وهذا لا يقلل من كفاءته أبدا ولكنه يتوخى “الأجمل “دوما فقط.والشاب الذي أوصل الديوان وعدنان الذي استلمت منه الديوان…
بقي  أن أقول: إن اسم الديوان هو “وثن للعشق” طبعة أولى 2005-الناشر دار كيوان-دمشق.
وقبل أن اختم المقال لا بد من التذكير بان شاعرا آخر –قد  أهداني في فترة سابقة ،نسخة من ديوان شعر عنوانه: “انطولوجيا شعراء النمسا”صادر عن دار الزمان في دمشق –طبعة أولى عام 2008 . وقد وصلتني النسخة  عن طريق الشاعر “إبراهيم اليوسف”  وسلمني النسخة الأستاذ مسعود المحامي مشكورا.. وهذا الشاعر  هو :”بدل رفو المزوري” .
فشكرا لكلا الشاعرين على ما شرفاني به من إهداء لعمليهما ..ولعلي سأتناول –يوما ما- كلا العملين بقراء خاصة إنشاء الله.

………
*شطر من بيت للمتنبي وكامله:
أعز مكان في الدنا سرج سابح
وخير جليس في الأنام كتاب 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…