تلك المرأة انتحرت, أم نحرها المجتمع؟!

نارين عمر
narinomer76@gmail.com

الانتحارُ أسلوبٌ قديمٌ حديثٌ يلجأ إليه الإنسانُ في لحظةٍ ما, وهو أسلوبٌ مرفوضٌ اجتماعياً وأخلاقياً, ومحرّمٌ شرعاً وقانوناً, لأنّ هذا العمر الذي نتقبّله من الحياة بطوله وقصره كهبةٍ مقدّسةٍ  علينا أن نحافظَ عليه على الرّغمِ من عذابِ الدّهر, وسطوةِ القدرِ في بعض الأحيان.

المنتحرُ هو اليائسُ, البائسُ, الجاني على نفسه وعمره, وهو الذي لم يستحقّ تلك الهبة من الحياة حيثُ فرطَ بها.
هذه العباراتُ نردّدها جميعاً من دون استثناءٍ كلّما سمعنا بشخصٍ أقدمَ على الانتحار, أو حاول ذلك, ولكنّنا ننسى, بل نتناسى الأسباب التي حدت بهذا الشّخص أو ذاك إلى الإقدام على فعل الانتحارِ.
جيهان رشو برعواد, امرأةٌ كانت تتنفّسُ روحِ الشّبابِ, تستنشقُ من عطر الأمومةِ, تتباهى بعشّ الزّوجية الذي هو بمثابةِ العرشِ الذي لا ترى المرأة من بعده عرشاً آخر في الجلال والهناء, وكانت تحلمُ وهي ترتدي فستان زفافها بتاجٍ ملكيّ يضفي على أنوثتها البهاء والرّونق, وعلى أيّامها القادمة السّعادة والصّفاء, ولكنّها وفي لحظةٍ قرّرت إنهاء حياتها, ولم تكتف بذلك بل أنهت حياة أولادها معها.
الأسبابُ والدّوافع التي ذكرتها المصادر التي أوردت الخبر تتلخّصُ في هذه العبارة:
( …والجدير ذكره إن السيدة المنتحرة كانت تعاني من قسوة شديدة من قبل زوجها و العائلة في التعامل معها, مما دفعها على القيام بالانتحار).
لماذا أقدمت هذه السّيّدة الشّابة ذات الخمسة والعشرين عاماً على إنهاءِ حياتها وحياةِ أولادها معاً؟ لماذا لم  تنتحر لوحدها, لماذا قضت على حياةِ أولادها, وهي الأمّ, وما أدرانا ما الأمّ؟!
الأمّ التي تضحّي بأنفاسها ونبضها ودماءِ شرايينها من أجل أولادها. الأمّ التي تواجه الكون بكلّ مظالمه وجبروته من أجل إنقاذِ أولادها. الأمّ التي تفضّلُ أولادها على كلّ كائناتِ المعمورة بمَن فيهم أخوتها وأقرب المقرّبين إليها!!
إذاً, كيف استطاعت هذه الأمّ القضاء على أولادها, ودفعهم إلى الرّحيل الإجباري من هذه الحياة؟!
زوجها وأهله الذين باتوا في نظر الجميع هم السّببُ المباشر والرّئيس, لماذا فعلوا بها وبأولادها ما فعلوه؟ ما الأساليب التي اتبعوها بحقّها وحقّ أولادها حتى اضطرت إلى ارتكاب ما ارتكبته؟ وإذا أيقنّا حقّاً  أنّهم السّبب الفعليّ والمباشر, فمَنْ يكون هؤلاء؟! وإلى أيّ كوكبٍ بشريّ ينتمون؟ مَن يسيّرهم, ومَن يغذيهم بمثل هذه الطّرق والأساليب؟
أليس هذا الكوكب هو ما نسمّيه المجتمع؟ ألا تعدّ الأوامر التي تُصدَرُ عنه تحت باب (العادات والأعراف والقوانين) التي نسجناها على نول فكرنا وضميرنا هي الطّرق اليسيرة التي تسيّرهم, وهي الطّعام الدّسم الذي يغذيهم حتى التّخمة؟ ومَنْ هو المجتمع الذي نتحدّثُ عنه, وممّن يتشكّل ويتكوّن؟ ألا نتشارك مع زوجها وأهله في هذه الجريمة, وفي كلّ الجرائم التي تصدر عنّا بحقّ المرأة وبحقّ نفسنا؟ ألا نتشابه معهم في مثل هذه التّصرّفاتِ والأفعال؟
نوعزُ  الأسبابَ إلى  الظّروف والضّغوطِ المختلفة, ولكنّنا نتجاهلُ عمداً أنّنا مَنْ نصنعها, ونحن مَن ننحرُ نفسنا بنفسنا!
أودّ أن أوضّحَ هنا أنّني لا أحاولُ أن أبرّرَ فعلة المرأة, أو أمنحَ الحقّ لأيّ منّا للإقدام على الانتحار مهما كان حجم المصائب والعوائق التي تحلّ به كبيراً وعظيماً, ومهما كانت المشاكل صعبة وعويصة على الحلّ, ولكن ما أقصده أن نتوقّفَ على أسبابِ الانتحار ودوافعه ونتائجه, ندرسها, نناقشها, نحلّلها من كلّ جوانبها وبدقّةٍ متناهيةٍ, لنصل معاً إلى صيغ معيّنة تكون بمثابة مفاتيح الحلّ لمثل هذه المشاكل والمصائب, وأن نجعل من هذه الفعلة دافعاً للحدّ من انتشارها, فلا يمكن لأيّة أمّ أن تنهي حياتها, أو تحاول إنهاء حياةِ أبنائها هكذا بسهولةٍ, أو نتيجة فترةٍ زمنيّةٍ قصيرة تعرّضت فيها للعذابِ والإساءة, لأنّ الأنثى بطبيعتها محبّة للحياةِ إلى درجةِ العشق والهيام, ومتمسّكة بها إلى غاية درجاتِ التّمسّك, ولأنّها حين تصبحُ أمّاً تظلّ تتمسّكُ بها بكلّ إمكانياتها ومداركها العقلية والجسدية, الظّاهرة منها والباطنة, وتظلّ تنظرُ إليها بمنظار الودّ والتّفاؤل الذي يُخلق لعينيها وحواسها من النّبض الأوّل لولدها وهو جنينٌ في حالة تشكّله الأوّل في رحمها.
هذا إذا علمنا أنّ ما بين التّعقّل والجنون شعرة أو خيطٌ رفيع, بل ما بين التّعقل والجنون نبضٌ دقيقٌ إمّا أن ينتعشَ طويلاً أو يصمتَ إلى الأبد.
كلّ أفرادِ المجتمعاتِ البشريّة مطالبون بالوقوفِ على القضايا الاجتماعية والإنسانيّة التي تهمّهم وتخصّهم, والسّعي إلى الحصول على سبل صحيحة وحلولٍ مجدية لها تخرجهم من أزماتهم.
الكلّ مطالبٌ بالوقوفِ على قضايا المرأة ومشاكلها بشفافيةٍ وجدّية.
كافة شرائح المجتمعات المعنيّة مطالبة بإيجاد حلول مجدية وشافية لعلاقة الزّوج مع زوجته وأولاده, وعلاقة أهل الزّوج مع زوجة الابن, والأمر ذاته ينطبقُ على الزّوجة وأهلها, لئلا تتكرّر مأساة جيهان, ومآسي كلّ مَنْ يفكّر مثلها.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…