إضاءات في النقد الأدبي.. دراسة نقدية تحليلية

خالص مسور

إن الشعر العربي الحديث يعتمد على الشكل و المضمون معاً، مع تغليب جانب الشكل على المضمون قليلاً، وعلى نمط ما يسمى بـ (المتجاوز) حسب المصطلح النقدي في الأدب الواقعي الأشتراكي، وحيث يعتمد شكل القصيدة الحرة على عنصري الإيقاع و الموسيقى المتناسبين مع الوزن و القافية، ولكن قد يصادفنا الكثير من العناصر الإيقاعية السلبية التي تشوه جمالية إيقاع و موسيقية السطور الشعرية، وهي إما أن لا تستسيغها الأذن البشرية، أو أنها تحول السطور الشعرية إلى نثر خطابي تنفر منه النفس و لا يستسيغه السمع.
وبالإضافة إلى التشويه الإيقاعي و الموسيقي الذي تحدثه بعض العناصر السلبية في السطور الشعرية، فإنها تؤدي كذلك إلى ضعف عنصر الخيال و التخييل في القصيدة الشعرية، وتصبح معها الكلمة ثقيلة على النطق وغير مستحبة ،وورودها في السطور أو الأبيات الشعرية يؤدي إلى فوضى الإيقاع الداخلي خاصة والتفريط بجمالية الموسيقى الشعرية، مثل كلمة – مسبطر- التي وردت في إحدى قصائد المتنبي حيث يلاحظ أن صوت حرف الطاء وراء ساكنة بعدها أدى إلى استثقال الكلمة مع قوة غير مستحبة في صوتي الحرفين، وضغطاً كبيراً على اللسان، مما يجعل المتكلم يبذل جهداً عضلياً كبيراً، خاصة أن الكلمة تتكون من خمسة أحرف، أي من خمس وحدات صوتية، وما نعلمه هو أنه كلما كانت الوحدات الصوتية للكلمة كثيرة، كلما كانت الكلمة أكثر ثقلاً على النطق والسمع ويمجها الذوق البشري، وتكون النتيجة التضحية برونق الشعر وإضطراب إيقاعات السطور الشعرية، مثال آخر هو كلمة /التوراب/ التي وردت بزيادة حرف /الواو/ على الكلمة الأصلية في بيت المتنبي:
أيفطمه /التوراب/ قبل فطامه           ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل
نلاحظ هنا اضطراباً في الإيقاع الذي أحدثه حرف الواو، الذي جاء زائداً على كلمة /التراب/ التي تكتب هكذا عادة، ولهذا نلاحظ أن القرآن الكريم وهو مرجع البلاغة العربية الأول، يلجأ إلى التقليل من أحرف الكلمات، بإدخالها في سياقات تساعد على التقليل من الحروف فيستسيغها الذوق البشري ويكون وقعها على السمع أكثر رنيناً وعذوبة، ولتحرض وتتوفر على الإنفعال والتأثر كما في الآية (ثم يخرجكم طفلاً) أي أطفالاً، حيث اختصرت الآية هنا حرفين من كلمة واحدة
(أ + ا) وبهذا التقليل من الكلمات أدت الآية القصد منها ببلاغة وإيجاز كبيرين، ليس من حيث تقليل الحروف فحسب، بل بما فيها من تحقير للكفار أيضاً لأنها اختصرت الجماعة في واحد لاقيمة له، رغم أن كثرة الحروف قد تعطي الكلمة – في بعض الأحيان- القوة في التعبير والمعنى.
ونعلم أن آيات القرآن الكريم غير موزونة ولامقفاة، ولكن لها أحياناً نفس إيقاعات الوزن الشعري، مما يعطي للكلمة قوة أكبر في التعبير بين المرسل والمرسل إليه، أي بين طرفي النص وهما المبدع والقاريء أو المتلقي. فالكلمة تختلف دلالتها المعجمية في السياق وفي وجودها خارجه، ولكن إيقاعات الكلمة حسب البعض من النقاد العرب القدامى، لاتتغير لا في المفرد ولا في السياق، فإبن جني يرى أن التغيير في الإعراب، يكون حسب الموقف العقائدي من جهة، وحسب الدلالة من جهة أخرى، وأن جماليات النص القرآني وكذلك الشعري لايأتي من الأنظمة اللغوية، بل من التقديم والتأخير ومن الإستعارة والتشبيه، ويرى الرماني الناقد العربي، أن الإيجاز وتقليل اللفظ يؤديان إلى الفصاحة، وإفساح المجال أمام التخيل والإيحاء وفتح آفاق من دلالات متعددة للكلمة الموجزة، ويمثل ذلك بالأمثال الموجزة أصلاً.
فمن شروط الشعر الجيد عذوبة الألفاظ الشعرية، والعذوبة هي وصف حسي ذوقي، ثم انسجام الألفاظ في سياقاتها وتأثيرها في المتلقي، حيث تكمن خصائص المبدع في التشكيل اللغوي للسطور الشعرية، وفي قدرته على الإبتعاد عن المطابقة والمحاكاة، وفي اللجوء إلى الإشارة، والإيماء، والإيحاء، أي أن قدرة الشاعر لاتكمن في رصف الكلمات والإنتظام الخارجي لها، بل في دقة التصوير واستخدام التشبيه والإستعارة والمجاز. فبالكلام المطابق يقرب الشاعر من الفيلسوف ويبعده عن الشاعرية، لأن مهمة الفلسفة التوصيل والفهم ومهمة الشاعر الإيحاء والتجوز، وقد عاب النقاد القدامى على الشاعر الكبير ابن الرومي لمنطقية ألفاظه، وعابوا على أبي تمام لتفلسفه في شعره. وقد يكون التوصيل لدى بعض النقاد من وظائف الشعر أيضاً وذلك في الحالات التي يدعو فيها الشاعر إلى الترويج لقضية عقائدية، أو إلى مباديء حزبية ليؤثر كلماته في المتلقي ويخلق لديه انفعالات يتأثر بقوله، بينما هناك من لا يقبل التوصيل في الشعر كالشريف المرتضى، ويرى بصرامة أن لغة الأدب تعبيرية، بينما لغة الكلام أي الكلام العادي والعلوم تطابقية.  
ونعود إلى القول: بأن ما يزعزع إيقاعات القصيدة، هو ورود حروف زائدة عن الحد في عبارات السطور الشعرية، ومنها ما يعرف بالوتد المجموع مثل – استعين – أستطيع- وخاصة عند وروده في وسط الكلمة، أو في حشو البيت مثلاً. و لكني أرى أن هناك مصطلح نقدي آخر قد أغفله البلاغيون العرب وقد يودي بالموسيقى الشعرية ويحول السطر الشعري إلى النثرية والتقريرية المباشرة غير المستحبة، وهوما أسميته ( بالحصر) والحصر هو كل كلمة فيها حرف متحرك بين ألفين ساكنين، ويأتي قبل حرف الحصر المتحرك وتد مجموع، وبعده وتد مقروف ، وقد يأتي ذلك بشكلين:
 الأول-  كما في السطورالتالية من إحدى القصائد النثرية:
أضاعوا علينا هدوء أماسينا
“بانخطافاتهم” بيننا واشتراكهم
في الحديث وبعض الشراب
فالحالة الأولى تتمثل في عبارة – انخطافات- وكل العبارات التي تشاكلها، وحرف الحصر هنا /الفاء/ والكلمة / إنخطافات/ بعد تفكيكها عروضياً تصبح كما يلي، بغض النظر عن الحروف ما قبل الوتد والتي لادخل لها بالموضوع، فيكون التقطيع العروضي لها بالشكل التالي:
إ ن             خطا              فا ت            
/  ْ              / /  ْ               /  ْ /     
ما قبل الوتد- الوتد المجموع –  المقروف
أو يزاد على الكلمة في آخرها ضمير منفصل غائب أو مانسميه سبب خفيف كـالضمير الغائب/هم/ في /انخطافاتهم/ عندها يكون التفكيك العروضي – كما قلنا- بزيادة سبب خفيف على الكلمة
ويكون بالشكل التالي:   إ ن       خطا          فا ت       هم
                            / ْ         / / ْ           / ْ  /        / ْ  
                     ما قبل الوتد- – وتد مجموع- مقروف- سبب خفيف
اما الحالة الثانية: فقد تأتي – كما قلنا – على شكل وتد مقروف قبل الحرف المتحرك المحصور، ثم بعده وتد مجموع  وتتمثل في كلمة (استعدادات) وحرف الحصر هنا/ الدال الثانية/ وبعد تفكيك الكلمة عروضياً تصبح بالشكل التالي:
إستع          دا             دا ت    
/ ْ  / ْ          / ْ              / ْ  /
ماقبل الوتد- سبب خفيف- وتد مقروف 
وقد تأتي الكلمة أيضاً بزيادة سبب خفيف 
ويكون تفكيكها العروضي بالشكل التالي:
إ ستع          دا             د ا ت         هم
/ ْ / ْ             /  ْ                 / ْ  /           /   ْ
ماقبل الوتد- سبب خفيف- وتد مقروف- سبب خفيف  
والخلاصة أن هاتين الحالتان الشعريتان أو ما أسميته بالحصر، يتوجب على شعراء الحداثة تجنب إدخالهما في سطور قصائدهم الشعرية نثرية كانت أو ذات التفعيلة الواحدة، وغالباً ما يستعمل شعراء الحداثة الحصر أكثر من شعراء القصيدة العمودية، و هي حالة تنم عن إيقاع شعري غير مستساغ وثقيل الوطأة على الأذن واللسان معاً، ويحول السطر الشعري من التفعيلة إلى السرد الخطابي والتقريية المباشرة، مشوهة إيقاع السطر و موسيقاه المألوفة، بحيث يحس القارئ عندها فجأة بدخوله من الشعرية إلى النثرية. وبتوضيح أكثر نقول:  أن سبب الثقل الإيقاعي للعبارة التي يرد فيها الحصر، يعود إلى الضغط الناتج على اللسان مع الحرف – إن- ثم فغر الفم و رفع سقف الحلق مرتين متتاليتين – طا- فا- ثم الضغط على الاسنان ثانية لدى- تِ- وإحكام الشفتين بقوة لدى- هم- على شكل إيقاع مضطرب ممل، وهو ما يشبه خطوات المرء وهو يصعد بتثاقل على درج عال / إن- خطا- فا- تِ- هم/ أو كأنما الفم يمارس لعبة صخرة /سيزيف/ في رفع الصخرة وتكرار دحرجتها نحو الأسفل، أويكون كصوت أغنية عجز الملحن عن تلحين سطورها الشعرية بالشكل المطلوب.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…