الخيال في أقصى دلاله

  إبراهيم حسو‏

يشتغل الشاعر محمد المطرود منذ إصداره كتابه الثاني ( سيرة البئر 2005 ) على بث نوع من روح الملحمية في نصوصه الطويلة التي تتشابك شكلاً بالنصوص المفتوحة التي تلتجئ نحو الفضاءات الكتابية المتنوعة و تتقاطع عمقاً بالنصوص ذات النبرة الحكائية التي تقصد بدورها إلى السيرة الذاتية , و الملحمية ليس من الضرورة أن تكون مدسوسة من التاريخ أو من الراهن اليومي, ثمة ملاحم شعرية ولدت من لحم التجارب الشخصية الحياتية و من دماء المخيلة المبدعة سواء في الحلم أو في الواقع وغالباً ما يستجلب التاريخ ملتبساً برموزه و أبطاله و قد تغادر الذات الشاعرة مستغنية عن جبروتها و أنانيتها في كل هذه المعمعة الشعرية فيغدو الشعر هنا مساحة كلامية أو بلاغية لا أقل أو لا أكثر
 و ربما كتابه الصادر حديثاً ( ما يقوله الولد الهاذي 2009 ) ليس إلا تتبعاً لشعرية شاقة و غير سالكة و غوص في دهاليز معتمة تتطلب ثقافة شعرية و حياتية عالية و بلاغة تمد هذه الثقافة و تسمنها لغوياً و جمالياً , فهذه النوعية من الكتابة الشعرية تستنزف طاقة تعبيرية عالية و رئة شاسعة تتنفس منها الكلمات دون ألم و دون مخافة من انزلاق المجازات في وديان لا قعر لها, و قلما تجد شاعراً تسعينياً يكتب بهذه الطريقة الشرسة و المفتوحة على ذاكرة بلاغية مرنة صافية كأنه يبتكر حياة شعرية خاصة به و يصنع كلماته من مشاهدات منسوخة في قعر وجدانه , و يستجمع مفرداته الغاضبة المنبسطة من لزوجة اللغة التي تخفي الكثير من حنان طاهر و تعلن عن شهوات ذات نكهة تشبه نداء الأعضاء لبعضها البعض , رغبات قلقة و غضوبة لها رائحة مشوبة من لفائف الشك و الحيرة و السؤال الدائم عن المستقبل و الآتي و الجميل , يفصح محمد عن سيرته مع المرأة و الذات و الحياة و الأشياء الشخصية المشتركة عبر صرخة هذا الولد الولهان الذي حسب تعبيره يهذي و لا يعرف على أي جهات يكمن مصيره و خلاصه الروحي , ولد تأكد وجهته و تيقن انه ابن لسيد ضال و ليس أباً لأحد, انه بالمختصر يريد المغفرة و مكان آمن لرحيله و يريد ترك ما أحب و ما لا أحب , فلم يعد يطيق الشمال و لم يعد الجنوب ملاذاً لقفر أرضه, يذهب الولد الهاذي في خديعة ( الأرض السعيدة ) التي تلوح من هناك خلف رماد لامع كأنه رماد الأنثى :‏

كأن أنثى اللمعان مرت‏
و غيرت من درج الوقت الصاعد فوق .. فوق .‏
هي سحر الأرض بالبهاء البعيد‏
و الموسيقى التي يحدثها الرنين‏
تخب بتيهها العظيم نحو الشمال وتمضي مثل الأيائل‏
القريبة من هذا الرماد .‏
إن ما يقوله محمد المطرود على لسان ولده الهاذي ليس بوحاً ذاتياً أو كلاماً له مذاقات عابرة و حسب بل انه تهيئة فضاءات تشكيلية و مهندسة بدقة و ترتيب , فضاءات منتشية بالثقافة و الذاكرة الشعريتين , ثقافة المطرود الشعرية تحمل حساسية مشتعلة ومبرقة لكتابة نص تحتمل هذا الصبر في استظهار شرارة الشعر الحقيقية, لهذا تجد إن هذا الشاعر كثير الاهتمام بالوحدة العضوية لبناء نصه, حريص على إن يكون لكلماته مفتاح سري ذو شيفرات ملتبسة , و لجمله الطويلة ذات الأنساق المتقلبّة معان ٍ متعددة لا يمكن الإفصاح عن قصديتها أو دلالاتها العالقة , يخاف هذا المغامر من أفكاره أن تنزلق هكذا هباءً , وتساء تخمينها أو أن تنحو نحو ظلال أخرى تجلب للقارئ الخزي و الحيرة و الظنون:‏
لأنك ملك‏
أضئ النص , أكتشف مفاتنه , و لذته‏
و كن غباره على وردة الحديث‏
و هيولى المعنى الأول‏
و المعدن المكسور في أوار اللاشيء‏
و كن يد الأرض الذكية و لسان التضرع‏
فالدعوات سماء بين المصلي و الغيمة‏
بين العاشق و الذكريات , و تاريخ الكتابة‏
و افتضاح الحلم في يقظة الانوثات‏
وفي رؤياك الناهضة في رماد الأسطورة.‏
هذا المقطع من نص طويل مكشوف على إيحاءات أو مجازات تقوم على قشر المفردات و من ثم مضغها ضمن تليين و بسط المعنى و إلحاقه ( بالصور ) التي تلمع بلا نقوش و تسطع بلا صدى و لا تعير شأناً بالبناء الشكلي للنص , فتتماوج متلاحقة أو متجاورة في رصف هندسي أحياناً أو بعثرة مزاجية يتقصدها الشاعر رغبة في التشكيل أو التنويع , فكل جملة هي مشروع بناء ( صورة ) و كل صورة هي مثار حوار ( المفردات ) بين نفسها ( كن حبيبي , في الطريق إلى نجمتنا الشاردة . قالت ( إن الآلهة أجمل هذا الصباح , حيث شمسك الأنثى , تمتد على خمس قارات لا تنام . أنا القارة الجديدة التي ستكتشف البارحة . )‏
يتأنق نص ( نص الخديعة ) بحركاته الست , يتجول الشاعر فيه كواعظ مليء بالخطايا و كرّبان على ظهر سفينة ملّ من توجيه العالم نحو الخراب , و كعاشق غامض في سيرته يخدع النساء المخدوعات ( أصلاً ) بمديد عسله , انه شاعر يتحدث دائماً عن شعره لينتبه إليه الكون و العالم و الإنسان :‏
شعرية المطرود ( ما يقوله الولد الهاذي ) مناسبة للتوغل أكثر في تبصير التجربة الشعرية الشابة في سورية في سياقاتها الجمالية , و فرصة سانحة للتقرب من انجازات و مذاقات قصيدة النثر في الجزيرة التي مازالت تقدم الكثير من الاقتراحات و المهارات و التقنيات اللغوية المبدعة للمشهد الشعري السوري .‏

 ( ما يقوله الولد الهاذي ) شعر 2009 – محمد المطرود – عن دار الرائي .دمشق 112 صفحة‏


تشرين

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود

الاسم إسماعيل، ملّا يا بئس ما أفتــــى وصلّى
شيخ ولحيته تغطّــــــــي فيــــــــــــه مأفوناً ونغلا
ببياض وجه في عفونة صورة ينـــــــــــــداح ذلا
يا حيف مسجده ومسجده يفظّع فيــــــــــــــه فعلا
فتواه باسم الله رسْم شريعة ويبيــــــــــــــــح قتلا
لا الله هاديه وليس نبيّه فيـــــــــــــــــــــه استدلا
يا نسل طوران ٍ تجلــــــــــــى في صلافته تجلى
يا شيخ شرذمة الجناة بكل شانئـــــــــــــــة أطلا
الله أكبر صوت من يشكو…

صبحي دقوري

في حديث لللمبدع الفرنسي أريك فويار حول كتابه «الأيتام»الصادر عندأ كت سود بباريس ينطلق من لحظة بصرية خاطفة: صورة فوتوغرافية لشابين مسلحين ينظران إلى العدسة بنوع من التحدي والوقاحة الواثقة. هذه الصورة لا تُعامل بوصفها وثيقة تاريخية جامدة، بل تُستثمر بوصفها شرارة تأمل أدبي وتاريخي واسع. من هذا التفصيل الصغير يبني…

أحمد عبدالقادر محمود

سمعتُ أنيناً
كانت الريح فيه تُجادل الأنباء
بحزنٍ تقشع فراشات تحترق
تُشوى على غبار الكلمات
بليلة حمراء
حينها أيقنتُ
أن الجبال هي الجبالُ صلدةٌ
إنما ذاك الغبار أمه الصحراء
حينها أيقنتُ
أن تِلكُم الخيم
مهما زُخرفتْ… مهما جُمّلتْ
ستبقى في الفراغ خِواء
و أن ساكنيها و مُريديها
زواحف يأكلون ما يُلقى لهم
وما زحفهم نحو القبابِ
إلا مُكاء
ليس لهم في النائبات
إلا جمع ٌ على عجلٍ
فحيحهم فيها ثغاء
الصغائر و…

عبد الستار نورعلي

 

رفعتْ ضفيرتَكِ السّماءُ

فأمطرَتْ

حِمَماً منَ الغضبِ المقدَّسِ،

والنُّجومْ.

 

ما ماتَ شعبٌ،

والطُّغاةُ تساقطوا،

وضفائرُ الحُرَّاتِ تعلو

فوق هاماتِ الغيومْ

 

لا فرقَ بينَ مُذَبِّحٍ مُتأَدلَجٍ

ومُغيَّبٍ

ومُمَنهَجٍ

ومُغفَّلٍ

ومُهرِّجٍ،

فالكلُّ سيِّدُهُمْ هو الشَّيطانُ،

سِمسارُ السُّمومْ.

 

أوَ هذي خيرُ قبيلةٍ

قد أُخرِجَتْ للنَّاسِ!!

وا عجَبي!

وتلكَ (…) أشرُّها: قالوا!

فأينَ الحقُّ..

في كونٍ مريضٍ

وظَلومْ!!

 

يناير 2026