سليم بركات في (ترجمة البازلت) البلاغة في نهب أخر

  إبراهيم حسو
ahisso@hotmail.com

يتحّرى الشاعر السوري سليم بركات في جديده (ترجمة البازلت) عن المكنونات الخفية في اللفظة الشعرية , في روح الكلمة نفسها عندما تتبعها جذرها الغامض لتصبح الكلمة صاخبة محاطة بالفجاءة و التحولات المتسارعة التي لا تتوقف في محاكاة فكرتها الكتومة التي تستظهرها في استعادة اللغة و تشغيلها (لسانياً) عبر خدمة (مرّوض) البلاغي الذي يصول في تمرين اللغة و من ثم تركها عرضة للسؤال و الشّك العظيمين .

خديعة أخرى.. خيانة أخرى لا تنتهي يرتكبها مترجم البازلت في الإشارة إلى مسك الشعر من لسانه النابض , استنطاقه إن أمكن و بطرق مرعبة و أدوات تقلع الكلمات من تربتها الأولى بنفس ذلك العنف الذي مارسه في (طيش الياقوت) فالكلمات مثل الرمل تنكمش و تتصلب و اللفظة البلاغية (الممتحنة) من قبل مثل عضلة القلب تصعد و تهبط بالدم في حركة مرتبة وحشية تشبه صوت اصطكاك الدم بالدم تحت الجلد , كل شئ  في (البازلت) ناطق و مضطرب و قابل للزوال في اللحظة الذي يولد و يموت و يصبح ذات روح و فناء :
ُحزمت الأنقاضُ
ُأعيدت إلى ميزان النشأة الحجرية .
ُخلط العماءُ , ثانية ً , بالنقش المنقذ ,
و ُعلقت الآياتُ متجاورةً و المعاطف إلى مشجب الخلود الضرير .
ُأريق العدمُ قدحاً على أقدام العادي الخمس ,
ُأريق الشكلُ من طاس الطباع كلها .

الأكيد هنا ليس الحلم البشري المنكوب و ليس البياض المتناثر في كل إنحاء العين إنما بضعة وصف للقدر المجّرب بضعة يأس يُستدل به نحو دوّي الأمل المطحون بالدم في عمق العقل و بالتأكيد لن يستمر الخفي (الوحشي) داخل الظاهر (الشفيف , الملاك) و لن يتوقف حمى المعنى في طرح أسئلته أو يؤجلها متوعداً اللغة في تدبير شؤونها و تبرير مجاهلها المعروضة بكسل لوح الحقيقة المنكسر , و أظن أن بزوغ اللغة هنا و مثولها هناك ليس إلا ترفيهاً ملعوباً يرّفه بها سليم مقادير خيانته مع ذاته و أناه التي لا تهدأ من مجادلة نفسها و محادثة (هؤلاء) و توبيخهم في صيحات متقطعة و منبسطة و نافرة كعضلة اللسان , مجادلات القناص لفريسة بقيت حية لطلقة حية أخطأت ثمرة القلب النابضة :

 لهم عذرهم في البقاء متفقين على سهو كزندقة الفوفل , مذ شردت قلوبهم إذ أحبوا  (كينو) المتوردة من جرح الاوقيانوس , الممتلئة الربلتين , المتغذية بخبز الذرة ثلاثاً في يومها , و بأقداح من عافية الجعة برغوتها . هي , الفتاة المعسولة ككلام المرائي على أتم عسله , الفتاة القبل من شفاه الطحين على شفاه المعجن . التهموا (كينو) بالنكهات الثماني للجسد , مطبوخة حيناً في أمل القرمزي , و نيئة حيناً , على صحاف من الرغبة , مطوقة الجوارح بأضاميم من نعنع (ليفكاس) و أكاليل الجبل . 

يكتب سليم بخيال من ألم , بأصوات تنطق شكوى عارمة للوجود الإنساني و فناءه , كأنه يرّوض الإنسان في وحشيته , مستنداً إلى زبد اللغة غير آبه بضرورات (المعنى) و هو يتقاطع بتآلف من خيال شفاف مرير محاط ببلاغة مشتعلة على الدوام و منشغلة في لغزها و سرها المدهش الجارح , يكتب بغضب و من غضب ما أخرس أو شبه طائش بكلمات ذائبة في رخاوة صور تندفع بطيش كخطوط مخدوشة من يد العقل و هو في أوجه تناثره و تبعثره , صور مختلطة بحقائق الكون و اللون و مغتسلة بمسحوق الشّك في ارتطامه باليقين , في سردها اللامنقطع حياة إنسان تجاوز متاهات الزمن و التاريخ و الجغرافيا و أصبح حبيس المكان و مبتدع المشهد و مرتب الصوت الخفي اللامرئي لكائنات تعيش بيننا , أصوات هي في حقيقتها حدود مكشوفة بين العمق للكائن و سطحه و الأصح بين حجاب اللغة و مكاشفة حضورها , كأن اللغة هي في مهمة جمع الملغزات و تخزينها ضمن ممتلكات (الشكل) و استعارة ( الحركة ) في طرح أسئلتها المختطفة المحظورة و الشكل هنا ليس اختزال (الغرابة) أو ما تبقى من الغرابة , فما الذي يجعل من النسق (الضمني) كي يكون طاعة للعبث , و ما الذي يجعل من النسق نقشاَ أو تأويلاً أو مجازاً , و ما حيلة المفردة كي تتطهر من رجس (السياق) و تضمن عذريتها المطمورة بالتراب :

كفاية هذا : مغتالون خبئوا في الجوالق ينتظرون نوم الحصون . ائتمنوا الكفاية المقتصدة في جشعها , لكن لا تأتمنوا الورد . لا يؤتمن الورد . لا يؤتمن عدل الورد . لا يؤتمن المؤتمن في كل ورد . لا تؤتمن البساتين . خبئوا رماة السهام العادلة في الجوالق تعبرون بهم على حمير المهل إلى الحصون . اقتحموها , بدجاجة الرخاء تجوب على مهل آياتهم الكبرى .
 
و تعاود العناصر الشعرية اللامعدودة ذاتها لكن هذه المرة متمازجة في ذاكرة ملتهبة تخفق بحيوية لا تنضب , ذاكرة تستدل بالحياة و بالأبدية بكل تفصيل يتراكب كسجد يشرق على أحواله في آلام طاهرة أصيلة , العناصر ذاتها في (بالثعالب التي تقود الريح) لكنها مجبولة بخيال مطحون بالإسرار السريعة التي تشبه تفاصيلها الركض في متاهات عصيّة زاخرة المسالك و غامضة و ضاجة بالشكوك و الشكوى :

أقدارٌ ذابلة ٌ
سيكذبون بأفواهٍ ذابلة ٍ
سيدعون أن لا سبب لقول الحقيقة ,
لا سبب للكذب , أيضاً :
انه غدرُ اللسان , ُمذ لم يكن اللسانُ إلاّ غدر المعقول بالمعقول .

في نص سليم بركات التناقضات في هبات منثورة و الأضداد اكتشافات رؤيوية , إنها بالمجرد تحولات لذيذة بين الشعر      و صداه بين رؤيا العالم وواقع الشاعر (الصاعق) أو هي انتقالات بلا صخب للغة في تفجيرها نفسها و نسف بنيتها الملحمية , انتقالات داخل كمين النص و الأصح في عمقه المتعدد و الصافي الموحش الذي ينسج مرافعات الشكل و يهادن دائماً على الصراع العبثي بين الأشياء و العالم و الوجود في إعادة دراماتيكية لمواجهة الإنسان لقدره و برزخه , أو في ما يضيفه الإنسان من حصانة الشهادة إلى قانونه , أو ما يضيفه الحيوان من حصانة الغيب إلى قانونه , صراع يقتلع  الشعر من جذوره و من غده الغامض العذب :

 لا تحرجوا الموت باعتدال من قسوة الفأل محسناً إلى كل قسوة
لا تحرجوا الحياة الرّتل الحجري , الوجار , الصّون العذب كغنج الخطأ , باعتدال من قسوة لم يلحظها قلبي
متناثراً فتاتاً من خبز الشك و ملحه , قدر حفنة تملأ صبر الإثم , على الله عذاباً يتقاضاه الآدميّ في مسالخ الله .

و الأرجح لا غد (لإنسان) سليم بركات , لا أمل منظور أو ناظر على مرمى الطريق  و لا إصغاء إلى التاريخ الذي يقفز فجأة بين الأنساق و الجغرافيا المنتصبة في (الشمال) الآدمي ليمارس حضوره (الآني) مأساته و نرجسيته , انه حضور أبدي مختمر , و لا بد إن يكون ذلك أزلياً طالما أن الحاضر ( الواقع) حبيس رؤياه و خليل غربته , و لأن يكون الأزلي منحازاً لفعل وجودي , فعل يولد الحياة بكل حذافيرها و الحلم بكل صواعقه في عملية تحديث مستمرة و مشتركة مع اللغة و البلاغة التي لها هنا مذاق أخر , احتراق أخر , ضراوة أخرى في عجن الكلمات ذات طعم الفلفل المطحون على لوح العبث : (غدرٌ  ُيستعاد ُ أملاً في الغدر بلا نهاية . ) .

 سليم بركات ( ترجمة البازلت ) شعر
عن دار المدى ( دمشق ) 2009
105 صفحة قطع متوسط

عن جريدة تشرين ( ابواب ) الاحد 8-11 – 2009

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…