هل يستحق الحب أن يحتفل به؟ وكيف..؟!

محمد قاسم

تجيش في الإنسان مشاعر مختلفة منها الحب..
والحب انفعال.
 فلا هيمنة لنا عليه ..
إنه كضربة “صاعقة”  أحيانا..
وأحيانا كنسيم خافت يتسلل إلى مساماتنا؛ ولا ندري به إلا بعد أن يكون قد استقر فيها،
 وأرسل لمساته تشعرنا بحلوله وجودا ..
لذا فإن قصص الحب تملأ آداب الشعوب..وان كنت أرى بعض تجلياتها قد يكون فيها تجاوزا للمدى الطبيعي لحيوية الانفعال عندما يكون حبا.

 تجليات الحب كثيرة، لكن الذي غلب في حياة الناس هو الحب بين الجنسين..!
وفي هذا النوع من تجلي الحب؛ معان وتعبيرات، تفنن الناس في إخراجها، تسمى –عادة الأدب. ومنها مثلا؛ مناسبة “عيد الحب” -أو عيد فالانتاين..في الرابع عشر من شباط..
وفي ذلك حكايات وقصص تروى في الأدب الغربي، المسيحي- كمظهر ديني، ولكنه قليل الاعتقاد بالمسيحية دينا وتعاليم روحية، وتطبيقات لها عمليا؛ إذا تجاوزنا ما يخص الدور السياسي لها في حياتهم.
 فالعلمانية هي الطابع الغالب في كل مفاصل الحياة لديهم، بما فيها النمط السياسي للحكم والإدارة…. لكن المشاعر الدفينة- والمشاعر الدينية ربما أعمقها- تبقى منبعا لإلهام السياسيين في استقطاب المشاعر العامة.
وهذا –ربما- سر دوامها-كظاهرة يوصف بها الغربيون- وهيمنة تأثيراتها في حياة الغربيين.. فضلا عن فكرة الاعتراف التي تطهر كل آثامهم عندما يرتادون يوما ما ، رحاب معبد –كنيسة. وهذا مبعث اطمئنان نفسي يخلصهم من الشعور بالذنب تجاه ما يفعلون من تجاوزات لقيم الدين..فيشعرون بالتطهر..
طبعا الاحتفال به –كعادة – ليس من تراثنا، ولكن إذا حاولنا أن ندقق فيما نتبعه من عادات في حياتنا الفردية والاجتماعية ومظاهر حياتنا المكرسة.. سنجد الكثير مما لا نعتبره من تراثنا ولكنها دخلت إلى ثقافتنا -الإسلامية- ونعيشها واقعا –أيا كانت النظرة إليها، من قبل الرافضين على الأقل…!
لذا فإن تجاهلنا التعسفي للمناسبة -كما غيرها- ، يجعلنا كالطائر الذي يخفي رأسه في الرمل لئلا يرى الصياد –وأظنه النعامة-… لأن مظاهر المناسبة تجري واقعا في أسواقنا ، وديارنا والكثير من سلوكياتنا كمجتمع. .
ويتداول مراسيمَها الكثيرون جدا من شبابنا –من الجنسين- بل ويتبناها الكثيرون من مثقفينا –بغض النظر عن موقفنا منهم.. ولقد فوجئت هذا العام-عندما وجدت عددا من أبناء مجتمعنا المسلمين يحتفلون بشجرة عيد الميلاد..! بالتأكيد ليس احتفالا على أساس عقيدة دينية-بدلالات مشاعرهم وسلوكهم وما يعلنون من عقائده ، وإنما انسياقا مع مظهر اجتماعي يفرّح العائلة –ربما الأولاد، ربما الزوجة، وربما رب الأسرة ذاته..!
 مظاهر كهذه وغيرها، تتجلى كحقيقة واقعية ؛ لم يمنعها صراخ المحتجين –أيا كانوا..!
وهذا يستدعي التفكير بالأدوات والأساليب المتبعة في معالجة الكثير من الظواهر الوافدة ، والتي نرى فيها ما لا يلائم روح ثقافتنا الموروثة، والحاضرة، وما نتطلع إليه كمستقبل أيضا.
نحتاج-إذا- أن نتأقلم مع الثقافة الوافدة- أيا كان مصدرها- بمرونة توفر لنا التكيف بطريقة تبقيها في حالة إمكانية الاندماج مع ثقافتنا –كما يقال. ولصالح تماسك المجتمع ضمن الأطر الأساسية..على الأقل.
ومن المؤسف، أن ما يجري مخالف لهذا، وبات يشكل ظاهرة تغلب في حياة المسلمين في هذا الشرق، ومنهم العرب طبعا ..بل وربما هم الأكثر في ذلك.وهي:
تجاهل تعسفي ومسبق؛ للقادم من العادات والأفكار؛ بطريقة الرفض دون حساب لنتائج مواقفنا هذه ،هل هي مجدية أم لا ..ولسان الحال يقول: اللهم إني بلغت..
وهذا قياس خاطئ بالتأكيد..
فالتبليغ من الرسول كان من رسول آمن به بأصحابه  بقوة تظهر على ألسنتهم:
“فداك أبي وأمي  يا رسول الله”
 ويمتثلون لقوله تعالى “ما آتاكم الرسول فخذوه،وما نهاكم فانتهوا عنه” الآية.
 ولا توجد المؤثرات التي جعلت العالم -جوا وبرا-  مناخ استقبال كل شيء.
 أكرر :”كل شيء” منذ رفقة بين الجنسين في حالة مهذبة،إلى حالة تكون العلاقة في ذروة “حميميتها” بتجليات مختلفة، ومثيرة، ومغرية..(التكنولوجيا ونتائجها المختلفة والمؤثرة في الحياة الاجتماعية ،خاصة أولئك الذين يحتاجون توازنا نفسيا ناضجا-إذا جاز التعبير. كالأطفال .. والمراهقين.. والذين اعتادوا أنماطا معينة من الحياة غير المتوازنة-مهما كان السبب- ومن أعمار مختلفة من  الجنسين..
وهؤلاء ليسوا قلة..لا عددا ولا تأثيرا في حياتنا الاجتماعية والثقافية.
فهل نتعامل –تربويا- مع هذه الأحوال جميعا..؟
أم فقط نعبر عن دواخل تغلي فيها انفعالات قد لا تكون صحية..؟
وقد لا تكون في اتجاه صحيح..؟!
هنا عالم يختلف عما كانت عليه حياة البداوة مثلا..والقبيلة.أو العشيرة..الخ…فلا يمكن تجاهل المستجدات بسهولة، مراهنين على أن المسار سيصحح نفسه بنفسه،أو نستأصل كل من تعجبنا أفكاره وسلوكه.. سواء في الواقع، أم في رؤيتنا وذهنيتنا ..!
ربما يفترض إيجاد حالة من التنسيق؛ تنتظم خلالها؛ علاقة المرء بمحيطه؛ وفق قيم يؤمن بها، وقد اكتسب الكثير منها من المجتمع..ولكن ..
هل يفترض بالمرء أن يبقى منحصرا في ما لقنه المجتمع –في أي شكل كان- ..؟!
هنا مساحة الإشكال ربما..!
فالمجتمع-في حالة المجتمعات المتخلفة القبلية – يفرض قيمه –سواء أكانت صحيحة أم غير صحيحة -بمعايير المنطق والعلم- وقد يغلب فيها المظهر فحسب..
وربما نوع من النفاق الاجتماعي..وعدم المصداقية مع هذه القيم يعبر عن الحالة قول شاعر- ربما حافظ إبراهيم-:
 يحرم فيكم الصهباء صبحا = ويشربها على عمد مساء..!
بعبارة أخرى، هل كل ما يلقنه المجتمع لأبنائه مثالي..؟ أو صحيح؟
وما هي المعايير التي  تحدد العلاقة بين المسؤولية الاجتماعية والمسؤولية الفردية ..؟
 خاصة فيما يتعلق بالقيم الكبرى، ومنها الاعتقاد الديني..والثقافة التي تمثله عموما.؟!
لست من الذين ينسجمون مع عادات وقيم وافدة؛ تم قبولها دون تمحيص ..لكن الواقع له مقتضياته..فكيف نتعامل مع الواقع في هذه الحالة..؟
ربما هذا هو السؤال المهم.
ونتساءل: مثلما تقبلنا الكثير من الأشياء والعادات والقيم التي لم نتقبلها –كمجتمع- سابقا..والآن أصبحت قيما ألفناها –وان لم نقبلها يقينا واعتقادا..بل ربما رضوخا وإكراها..
لم لا نجد طريقة نتعامل بها مع كل العادات والتقاليد والقيم  الوافدة بنوع من المرونة..
منها عيد الحب..ولنكن في هذا حاذقين فنغير زمنه وشكل الاحتفال به..فنطبعه بطابع ثقافتنا مع انزياح يساعد على النجاح بدلا من مواجهة نفشل فيها، ولا يبقى لدينا –البعض طبعا- سوى أصداء الصراخ.!!!
ولكن هل هناك مساحة في ذهنية بعض الذين نصّبوا أنفسهم وكلاء عن الرب-والرب لا وكيل له- إما لمصحة تعود عليهم،أو لقصور في فهمخ ثقافتهم –فيفهمون الدين بمنظور ذاتي ويفرضون ذلك على الجميع متجاوزين جوهر الإسلام.وهو “لا إكراه في الدين”….”ثم إلى ربكم ترجعون” حيث الحساب..
“فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره،ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره” الآية
“ولا تزر وازرة اخرى” الآية.
فـ “كل شاة بكرعوبها معلقة” الحديث.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…