القديسة… لورين والأربعين (3)

توفيق عبد المجيد

ويدور دولاب الزمن … ويتسابق الليل مع النهار في مسيرة الكون اللانهائية  … والشمس والقمر يتناوبان بشكل مبرمج … ونظام محكم مدروس … ويستمر هذا السباق الأزلي بينهما حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
نعم بنيتي لورين :

اليوم هو الأربعون على رحيلك عنا … ونحن في زيارات خميسية دائمة إلى مزار قديستنا الشريف … نقرأ الفاتحة وقصار السور … نضع باقات الورد … نردد بعض الكلمات … نتذكر نتفاً مما قالته في أيامها الأخيرة … في ضيافتنا … نسترجع شريط الذكريات على عجل  فتستوقفني محطات كثيرة … وأوقات وأزمنة عديدة … يستوقفني أولاً بيتنا الذي ولدت فيه … وحبوت في غرفه … وجلست في باحتيه … وعلوت سطحه … وترعرعت وكبرت مع الأيام…
تستوقفني مدرسة الشريف الرضي الابتدائية وأنت تتلقين ألف باء التعليم وتنالين الدرجة الأولى في الصفوف الابتدائية الستة … تستوقفني إعدادية الزهراء وأنت تكملين فيها المرحلة الثانية وتنالين الدرجة الأولى على مستوى المدرسة في الصف الأول الإعدادي … ثم تستوقفني ثانوية ميشال صليبا للبنات حيث أكملت تعليمك الثانوي ونلت الشهادة بمجموع جيد … وكانت جامعة حلب آخر صرح تعليمي لإكمال تعليمك الجامعي ، فتدرجت في سنوات الدراسة حتى تجاوزت قسماً من السنة الثالثة في كلية الحقوق ، لكن القدر كان لك بالمرصاد … أوقفك ، أخرك ، ثم منعك من المتابعة لتنشغلي بطارئ ألم بك … ليضع حداً نهائياً بينك وبين تحقيق الأمل والطموح في إتمام الدراسة ومتابعة التحصيل العلمي العالي في القانون الدولي حلمك المستقبلي ، وحلم الوالد الموؤود .
نعم بنيتي لورين :
كثيرة هي محطات الألم التي منها انطلقنا … كثيرة هي قطارات الحزن التي أقلتنا ونقلتنا من مكان إقامتنا إلى دمشق حيث المعالجة … ثاني هذه المحطات هو مركز القامشلي لانطلاق البولمانات السياحية باتجاه العاصمة … وتحديداً بولمانات شركة (هفال) ذوات اللون الأصفر التي أحببناها … التي كان المقعد الأول والثاني والثالث يخصص لنا … وكان العاملون في مكتبه يعاملوننا معاملة متميزة … كان البولمان يزداد جمالاً بوجودك فيه … وكان الاهتمام من قبل قائده ومرافقه بنا ملفتاً للنظر … أتذكر كل هذا … دون أن أنسى رحلة الطريق الطويلة وهي تقصر وتختصر بهذه المعاملة الحسنة بدءاً بمكتب قطع التذاكر … صعوداً إلى البولمان السياحي … مروراً بمكان إقامتك الآن حيث كنت أقرأ الفاتحة دون أن تشعرين كلما اقتربنا من مقبرة (هرم عربة) مقدماً لها بهذه العبارة : أبي ، أمي ، أخي ، لا تنسوا لورين بدعواتكم فهي الآن بحاجة إليها وإليكم ، لكنهم اختطفوك مني بعد صراع وعراك طويلين كانت الغلبة لهم فيه ، فاخترت الرحيل إلى حيث يسكن جدك ، عندما وضعت يدك بيده وهو بالكاد يمشي في صبيحة الخامس من شباط موعد رحيلك عنا … وعندما قال لك أحدهم ستتعبين من مرافقته يا لورين … فأشرت بأنك اخترت الذهاب معه إلى حيث يقيم .
بعم أيتها القديسة الشهيدة :
لن أنسى ما حييت ذلك الكم الهائل من البرقيات التي تقاطرت علينا ، وهي تعبر بصدق عن مشاعر مرسليها ووقفتهم الصادقة معنا في هذه الفاجعة… لن أنسى ما حييت تلك المكالمات الهاتفية وهي تنقل إلينا عبر الأثير من شتى أنحاء العالم مواسية ومعزية … لن أنسى ما حييت كلمات الرثاء الكثيرة التي انهالت عليك من أصدقاء مخلصين … وسيكون والدك حريصاً على الوفاء لأصحابها جميعاً في حلقات قادمة .
ففي أربعينيتك الأولى أقول باسمي وباسم والدتك الثكلى وأخواتك والأهل والأصدقاء  : لك المجد أيتها القديسة الشهيدة
17آذار 2010

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…