الكتابة فعل تغييري حضاري كبير

فوزي الأتروشي *

    الكتابة نزوع نحو الجمال والحق، وتمرد على كل ما هو قبيح وسيئ في الحياة، وانطلاق نحو آفاق لانهائية، وقبل هذا وذاك فهي ممارسة للحرية بأقصى مدياتها. سواء قلت انا افكر اذن انا موجود او قلت انا اكتب اذن انا موجود فالأمر سيان، لأن الفكر إذ يتسرب عبر القلم إلى الورق يصبح حينها فقط بصوت عال ومعبر ومؤثر وقادر على حفر أخدود كبير في ارض الواقع. وفي الحقيقة لم ينقطع البشر أبدا عن التفكير والتنقيب في الظواهر والأشياء والمستجدات، ولم يترك زاوية او دهليز ضيق لم يفكر في ماهيته، ولكن الفارق إن تفكير صامت باهت وخافت لا تنتج عنه ثمرة عمل إلا حين تسقط على الورق وتصبح شجرة خضراء باسقة تلون الفضاء وتكتنز بالثمار وتجعل فعل التغيير ممكنا لا فقط كنداء في الذاكرة ولكن كقول وجملة وصوت يصل إلى الآخرين.
   المسافة بين التفكير المجرد والكتابة العالية الرنين، هي كالمسافة بين مجرد نشدان التغيير والمبادرة إلى تخطي العتبة نحو ممارسة التغيير ذاته.
    لذلك نقول ان الكتابة معول هدم وبناء، هدم ماتآكل وتأكسد وتقادم، وبناء ماهو نقي وجميل ومنسلخ عن الماضي ومتلون بالحاضر وجاهز للنهوض إلى المستقبل. وهذا مايفسر لماذا بقيت أسماء الكثير من الفلاسفة والمفكرين وكبار المثقفين قابعة في الكتب رغم كل ثرائها وأهميتها وغناها، في حين إن أسماء أخرى خرجت من الأرشيف إلى الأسواق والشوارع وتجمعات الناس والأهالي والجامعات والمدارس وأصبحت تدور على السنة الجميع ليل نهار، فعلت ذلك ان هذه الأسماء أصبحت عناوين مرجعية شعبية لم تكتف بالدعوة التجديدية، التنويرية، بل مارست الفعل نفسه واستفاضت في شرح الآليات التنفيذية ، التطبيقية للناس للإتيان بمثله.
    اذن الكتابة ليست مجرد هواية او محاولة لملئ الفراغ ولا هي تظاهر بامتلاك موهبة فحسب، ولا هي غاية بحد ذاتها.. أنها مسؤولية كبيرة ومعاناة اكبر ودعوة للتغيير ينبغي أن لا ترضى بالنمطية والتكرار والاجترار لكي تكون خضراء مثمرة ويانعة أبدا.
——
* وكيل وزارة الثقافة العراقية

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم محمود

الاسم إسماعيل، ملّا يا بئس ما أفتــــى وصلّى
شيخ ولحيته تغطّــــــــي فيــــــــــــه مأفوناً ونغلا
ببياض وجه في عفونة صورة ينـــــــــــــداح ذلا
يا حيف مسجده ومسجده يفظّع فيــــــــــــــه فعلا
فتواه باسم الله رسْم شريعة ويبيــــــــــــــــح قتلا
لا الله هاديه وليس نبيّه فيـــــــــــــــــــــه استدلا
يا نسل طوران ٍ تجلــــــــــــى في صلافته تجلى
يا شيخ شرذمة الجناة بكل شانئـــــــــــــــة أطلا
الله أكبر صوت من يشكو…

صبحي دقوري

في حديث لللمبدع الفرنسي أريك فويار حول كتابه «الأيتام»الصادر عندأ كت سود بباريس ينطلق من لحظة بصرية خاطفة: صورة فوتوغرافية لشابين مسلحين ينظران إلى العدسة بنوع من التحدي والوقاحة الواثقة. هذه الصورة لا تُعامل بوصفها وثيقة تاريخية جامدة، بل تُستثمر بوصفها شرارة تأمل أدبي وتاريخي واسع. من هذا التفصيل الصغير يبني…

أحمد عبدالقادر محمود

سمعتُ أنيناً
كانت الريح فيه تُجادل الأنباء
بحزنٍ تقشع فراشات تحترق
تُشوى على غبار الكلمات
بليلة حمراء
حينها أيقنتُ
أن الجبال هي الجبالُ صلدةٌ
إنما ذاك الغبار أمه الصحراء
حينها أيقنتُ
أن تِلكُم الخيم
مهما زُخرفتْ… مهما جُمّلتْ
ستبقى في الفراغ خِواء
و أن ساكنيها و مُريديها
زواحف يأكلون ما يُلقى لهم
وما زحفهم نحو القبابِ
إلا مُكاء
ليس لهم في النائبات
إلا جمع ٌ على عجلٍ
فحيحهم فيها ثغاء
الصغائر و…

عبد الستار نورعلي

 

رفعتْ ضفيرتَكِ السّماءُ

فأمطرَتْ

حِمَماً منَ الغضبِ المقدَّسِ،

والنُّجومْ.

 

ما ماتَ شعبٌ،

والطُّغاةُ تساقطوا،

وضفائرُ الحُرَّاتِ تعلو

فوق هاماتِ الغيومْ

 

لا فرقَ بينَ مُذَبِّحٍ مُتأَدلَجٍ

ومُغيَّبٍ

ومُمَنهَجٍ

ومُغفَّلٍ

ومُهرِّجٍ،

فالكلُّ سيِّدُهُمْ هو الشَّيطانُ،

سِمسارُ السُّمومْ.

 

أوَ هذي خيرُ قبيلةٍ

قد أُخرِجَتْ للنَّاسِ!!

وا عجَبي!

وتلكَ (…) أشرُّها: قالوا!

فأينَ الحقُّ..

في كونٍ مريضٍ

وظَلومْ!!

 

يناير 2026