طلابنا والأيام الحاسمة حديث الجمعة ( 9 )

د. علاء الدين عبد الرزاق جنكو

مع اقتراب نهاية كل عام يستقبل أبناؤنا وأحبتنا الطلبة أكثر الأيام حسماً في حياتهم، لدخولهم مرحلة يسطر عليها الخوف والتوتر نتيجة وقوفهم على أبواب الامتحانات النهائية للثانوية العامة !!
إنها حقا أيام عصيبة، أيام قلائل تفصل بين النجاح والفشل، أيام أشبه ما تكون بحالة الطوارئ تعيشها الأسر والعائلات التي يخوض أبناؤها هذا الامتحان الكبير.

سباق طويل يبدأه الشباب والفتيات منذ دخولهم الصف الأول الابتدائي حتى وصولهم خط النهاية، حينها تكون النتيجة الفاصلة التي تظهر أمام أعين الجميع لا تخلوا من حالتين:
–   استعداد جيد وتقديم بكل ثقة وتجاوز بنجاح ودخول في مرحلة أخرى ينتقل معها كل شيء في الشباب طموحاتهم وسلوكياتهم وعلاقاتهم ومسؤولياتهم .
–   وحالة يغلب عليها التوتر والاضطراب والخوف من الامتحانات وإخفاق – لا قدر الله – في النهاية ووقوف الطالب حينها على مفترق طرق يغلب عليه التيه وعدم الاستقرار .
الحالة الأولى :
أبارك لصاحبها نفسيته الراقية الطموحة المتأملة خيراً وأؤكد بأنها ليست حكراً على أحد فكل إنسان أراد التغلب على هوى النفس ورأى الهدف بادياً أمام عينيه تهون عليه  كل المصاعب فمن يطلب الحسناء لم يغلها المهر . ومع اقترابه من خط النهاية يكون كالفارس الذي يشرع في انطلاقة جديدة وكأنه يبدأ السباق من جديد !!
ومن كانت هذه حالته سيكون من السعداء ، وأكرر ثانية آن الجميع بإمكانهم أن يكونوا من بين هؤلاء ..
أما الحالة الثانية :
وهم الذين أرسل إليهم كلماتي هذه التي تخرج من قلبي إلى قلوبهم وإلى نفحات التفكير في عقولهم، فالتوتر والخوف الذي يسيطر على الطلاب أمر طبيعي يخترق الجميع إلا من رحم ربك، حتى العظماء الكبار وأصحاب الانجازات لم يسلموا منه، فها هو نابليون بونابرت يقول : أهون علي أن أخوض مئة معركة ولا أدخل في امتحان واحد !!
إن التغلب على ظاهرة التوتر والخوف من أقوى العوامل لتقديم الامتحانات وتجاوزها بنجاح، لذا على الجميع أن يعملوا للتخلص منها وأن يبنوا بدلا منها ثقة عالية تلازم الطالب إلى أن ينتهي من مهمته .
فالطالب الذي يرى ملامح التفوق والنجاح أمامه يحطم كل أشكال العتاب والشكوى ولا يحتج بها أبداً، كما لا يعرف للمبررات طريقاً ، ويحاول قدر الإمكان أن يهيئ كل الأجواء المطلوبة لحالته تلك .
ومرة ثالثة أقولها : يستطيع الجميع أن يحقق ذلك دون استثناء !!
أما طرق التغلب على ظاهرة التوتر والخوف فهي كثيرة، وبكل تأكيد آن الطالب وأسرته أعلم بها من غيرهما لإطلاعهما على الظروف المحيطة به .
على آن هناك بعض النقاط التي قد تكون مشتركة وتساعد الطالب وتأخذ بيده إلى شواطئ الراحة والطمأنينة وترسم له ابتسامات الأمل التي ما إن تخيلها حتى سار باندفاع لتحقيقها .
1 – الإيمان والثقة المطلقة بالله تعالى والعلم بأنه لا يضيع جهد عباده ، فما على الطالب إلا آن يجد ويجتهد ليكون على استعداد كامل آخذاً بكل الأسباب المطلوبة ، حينها يرفع يديه بالدعاء راجياً المولى القدير التوفيق والنجاح وأن يبعد عنه كل شر وسوء .
2 – عدم الإيمان والتصديق بكلام المشعوذين والعرافين وقرَّاء الفنجان فيما يخص التنبؤات بالمستقبل كصعوبة الأسئلة وتشديد المراقبين والملاحظين وغير ذلك،  وعلى الطالب آن يتأكد أنه أكثر ثقافة ورزانة وإيماناً من كل أولئك الكذابين !!
3 – على الطالب أن يتذكر بأن الامتحان وضعه إنسان مثله وان المادة الدراسية التي بين يديه ليختبر فيها من عمل البشر، لذا عليه أن يتعامل بنفسية القادر والشجاع والمنافس القوي والمتحدي بالخير .
4 – تهيئة الوقت والمكان المناسبين للدراسة، واستغلال الأوقات الهادئة والخالية من المثيرات التي قد تسبب التشتت وعدم التركيز .
5 – التركيز على مادة واحدة أثناء الدراسة وتحديد مسار المذاكرة وعدم التفكير في مادة أخرى  ولا تصور كمية المعلومات فيها .
6 – طرد كل ما يعيق الدراسة من مواضع تشغل البال، مهما كانت أهميتها، وتأجيلها إلى ما بعد الامتحانات، وعدم المبالغة في أخذ الاستراحات التي قد تسرِّب الكثير من شوائب الأوهام إلى حلبة التفكير المشغول بالدراسة .
7 – تفريغ القلق والتوتر من خلال الحديث عن النجاح والتفوق وتصور النتائج المرضية، وتخيل لحظات تحقيق الإنجاز، وتذكر السعادة الغامرة عليه وعلى الأسرة بأكملها يوم النتائج .
وطريقة أخرى ربما تفيد البعض : أن يقوم الطالب المتوتر والخائف بكتابة ما ينتابه من شعور، ثم يقرأ ما كتبه مرات ومرات ويحاول التغلب عليها بإيجاد الحلول لها كما لو كانت الحالة لغيره وليست له .
8 – وملاحظة أخيرة وهي في غاية الأهمية :
أن يتعامل الطالب مع الورقة الامتحانية بكل مسؤولية وذلك بالكتابة بخط واضح مقروء، وترك المسافات بين الإجابات، وتجنب الأخطاء قدر الإمكان، وعدم الكتابة بالأسلوب البرقي السريع، وعدم الاعتماد على الاختصار المخل بالمعنى، وترتيب الورقة الامتحانية؛ لتخرج بأبهى صورة، فالتنظيم يعطي انطباعا إيجابياً عند مصحح الورقة .
لقد خضت امتحانات كثيرة منذ آن وطأت قدماي أرض المدارس وحتى يوم مناقشة رسالة الدكتوراه وقد مررت بمراحل نادرة ذقت فيها مرارة الفشل ولكني لم أسمح لها بأن تعشعش في ذاكرتي لأني كنت أنظر إلى ضياء وأنوار وإشراقات النجاح والتفوق كلما بدت لي مخالب الفشل وهو يكشر عن أنيابه .

حينها كان الفشل يهرب من الأمل والتفاؤل كما يهرب الليل المظلم عند مطاردة النهار له ..

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا

” يسعدني ان اهدي كتابي لمن يقرأ أعماق الكلمات ومابين السطور كما احسه في قلبي ، إلى الصديق الغالي الأستاذ نصر محمد مع المحبة ”

بهذه الكلمات أهدتني الصديقة الشاعرة ريما فاضل محفوض ابنة السلمية هذا الديوان عندما التقيت بها وزوجها الدكتور عبدالعزيز غيبور وابنتهم ريتا في مدينة فانا آيكل الألمانية ، وكان…

فواز عبدي

انتهيت قبل عدة أيام من ترجمة مونودراما “خجي” إلى الكردية؛ اللغة التي نطق بها سيامند وخجي، ولأن المونودراما قدمت رؤية جديدة للملحمة الشعبية، ولأن الكاتب نظر إلى الحكاية من زاوية مختلفة، أحببت أن أقدم هذه القراءة محاولاً الوقوف على بعض الدلالات التي يفتحها النص.

تدخل مونودراما “خجي” (وهي نص من خمسة نصوص مونودرامية في كتاب…

المختار علم الدين بن رزوقة

يتنازع النقد الأدبي المعاصر طموحُ التحرر من التبعية للمفاهيم الغربية ورغبةُ التأصيل لخصوصية التراث العربي والإسلامي؛ وفي هذا الفضاء السجالي، يبرز مصطلح “الفنتازيا الإسلامية” الذي طرحه الكاتب والناقد الفلسطيني فراس حج محمد بوصفه محاولة شجاعة لتحقيق “السيادة السردية” واستثمار الميتافيزيقيا الغيبية في البناء التخييلي، إلا أن هذا الجمع بين مرجعيتين تتجاذبان…

أفين بوزان

يؤرّقني الشتاءُ .. لأنني
كلما فتحتُ نافذةَ المساءِ
رأيتُ غيابكَ عارياً تحت المطر
وكان قلبي معطفاً مثقوباً
لا يردُّ عن جسدي بردَ الذكرى
ولا يخبّئ ارتجافَ العمر.

أمرُّ على الزجاج
فيلحقني ضبابُكَ ..
كأن يدكَ القديمةَ ما تزالُ
تفتّشُ عن اسمي
في الجهاتِ المبللة
وأكادُ أكتبُكَ…
لكنني أخشى
أن يعودَ الحبرُ إليَّ
على هيئةِ امرأةٍ قاتلة.

يا غائباً تركَ المعاطفَ للريح
والشوارعَ لخطانا
والليلَ لي وحدي
ماذا أفعلُ بالطرقاتِ
التي حفظتْ خطاكَ
ولم تحفظْ…