في زيارة الصديق صلاح برواري

عمر كوجري

    فاجأنا الصديق الكاتب المتألق صلاح برواري بقصَّة مرضه، وقد دخلت الكربة والغمة قلوبنا جراء ذلك، خاصة أن الرجل لا يعاني من وجع في الرأس، أو حموضة في المعدة، بل من ذلك المرض الذي نخشى ذكر اسمه، وترتعد أوصالنا رعباً حين نسمع أن أحد أصدقائنا أو أحبتنا بذلك المرض اللعين.

 فقبل أسبوع  من مرضه هاتفني أنه عائد من كردستان، وأحسست بنبرة حزن تصطبغ صوته، لكنه سرعان ما أزال ذلك الإحساس بروحه المرحة ،ونكاته التي تضحكنا كثيراً، وأخبرني أن ابنته المجتهدة قد تحتاجني لبعض التوضيحات في امتحان اللغة العربية، وأنا الذي درَّست ابنه المحترم آري قبل ثلاث سنوات، وتواعدنا على لقاء قريب، وقال إنه يحملُ لي هدية.
    حالما قرأت مقالة الصديق العالي والغالي إبراهيم اليوسف والذي بقلب رؤوم يطمئن على غابة محبيه، والمعنونة” صلاح برواري قلب يخفق في وطن” انتابني حزن استولى على كياني رغم أن المقالة تشي برباطة جأش الكاك صلاح، وشجاعته في تقبُّل إصابته بـ … ذلك اللعين المكروه” السرطان” وكنت بين مُصدِّق وعدمه خصوصاً أن صديقنا حريصٌ كل الحرص على حسن شكله، ورعاية بدنه، فهو لا يدخن، ولا يسرف في المأكولات التي تسيء إلى صحته، ويمارس الرياضة بانتظام.

    وفي مظهره الخارجي كان يبدو دائماً في كامل الأناقة وبهائه حتى كنا نحسده ممازحين أنه يزداد بريقاً وجمالاً مع تقادم السنين، بينما نحن نذوي، و” نتختير” رغم أنه أكبر من عديدنا بسنوات، وكان يقول لي: إن سرَّ احتفاظي بنضارتي هو أني أتناول الجبنة الكوجرية” الزازي” وحلاوتكم أيها الكوجر..
سمعت عن الأستاذ صلاح منذ أواسط ثمانينيات القرن الماضي، ودبَّت بي رغبةٌ ملحاحة للتعرف إليه عن قرب،  عندما التقينا، أتذكر أنه أذاب جليد اللقاء الأول بسرعة، وسلب أفئدتنا الغضة آنذاك، وراح يحكي عن السياسة والشعر والمرأة تسعفه ذاكرة فذة، ومعلومات ثرية في كل ضرب من ضروب المواضيع التي حكى فيها. وحَدَّثنا عن خطته في رفع السوية الفنية والمعرفية لجريدة” كه ل” التي كنا نقرؤها، ونترقَّب صدورَ كلِّ عدد جديد بشوق وترقب، وكان كاك صلاح يشرف على تحريرها، ويسهر على طباعتها مع عاملي الطباعة حتى انبلاج الصبح ولأيام وليال عديدة.
لم تنتظم لقاءاتي بالكاك صلاح بسبب ظروف الدراسة الجامعية، وعدم الاستقرار في دمشق إلا في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
 تتابعت لقاءاتنا، وعرَّفنا عن مشاريعه الكثيرة في حقل الترجمة والتأليف، والإبداع، وكنا حتى عندما نلتقي مصادفة في أحد شوارع دمشق يأخذنا جانباً، ويبدأ بالحديث عن مشاريعه، وأحلامه الكثيرات، يتحدث، ويتحدث حتى أقول له: كاك صلاح تيبست قدماي من الوقوف، ما رأيك أن نتابع حديثنا في أقرب مقهى، فيوافق على الفور، وهناك، حديثه العذب والمتشعب يجعلك طوال اللقاء تنصت إليه، ولا تشعر بالضيق أو الحنق.
وأخذت لقاءاتنا طابعاً آخر حين كنا نواظب على حضور نشاطات ” لجنة الأمسيات الكردية” SHEVBUERKEN KURDI” ” في دمشق، وكان يثري حضوره ألقاً، وهو يصوِّب للمحاضرين بعض مزالقهم، وأخطائهم ومثالبهم في  اللغة الكردية بروح سمحة، وبأدب جم.
وأشعر أن كاك صلاح كثيراً ما يهاتفني للاستفسار عن صحة كلمة في العربية قائلاً: ليطمئن قلبي أيها الكوجري، وهو الضليع فيها، أنه يبغي التواصل ليس إلا، فهو يريد أن يطمئن على الصحيح والأصح في ثوان، ويسترسل الكلام في مواضيع شتى تطول.
البارحة كنا في عيادة” زيارة” كاك صلاح في المشفى، تدفقت الدماء في قلبي بسرعة هائلة، وتخيلت أن وضعه ربما كان محرجاً، لكن، وللباري الحمد، بعد أن استفاق من غفوته سقانا من فيض محبته ” أربعاً في أربع” فانتشت قلوبنا حبوراً على سلامة قلبه، وأبهرنا بأعصابه الفولاذية، وهو يحكي عن مرضه بحيادية غريبة،  ووعدنا أنه عائد إلينا في ومضة عين.

الصديق العزيز صلاح برواري: أحييك، وسلاماً لك، وهانحن ننتظر أن تتجاوز محنة مرضك بأسرع مما نتوقع، وتعود إلى كل محبيك سالماً معافى، وتغوص كالعادة في بطون كتبك تزيدها شرفاً وتشريفاً.. وتعود إلينا بلآلئ الكلام.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ممدوح عبد الستار (روائي وقاص)

تتمحور الفكرة الرئيسية لرواية “تذكرة عودة” – الصادرة حديثاً- للروائي “جوان سلو” حول استكشاف أثر الحرب والصراع على الهوية والذاكرة والإنسان، من خلال التركيز على مدينة كوباني (عين العرب) الكردية في شمال سوريا، والتي عانت ويلات الحرب ضد تنظيم “داعش”. الرواية رحلة في نفوس شخصياتها، وكيف أثرت الحرب على حياتهم، وعلى…

خالد بهلوي

تبرز أهمية مهرجانات الشعر بوصفها فضاءات ثقافية تجمع الشعراء والمثقفين والجمهور، وتمنح الشعر الكردي فرصةً للاستمرار والتطور والانتشار. خاصةً أن الشعر يُعدّ من أكثر الوسائل تأثيرًا في نقل اللغة بين الأجيال. فعندما يجتمع الشعراء لإلقاء قصائدهم سواء كانت باللغة الام ام باللغة العربية، فإنهم يساهمون في إحياء المفردات والتعابير الكردية وإبراز جمال اللغة وقدرتها على…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من السهل أن يسأل الكاتبُ: إلى أين أنتمي؟. السؤالُ في الظاهر بسيطٌ، لكنَّه حين يخرج من فم كاتب أفريقي عاشَ الاستعمارَ، وورث لغته، وغادرَ بلدَه، ثم وجد نفسه يكتب من فضاء آخَر، يتحوَّل إلى سؤال ثقيل، يكاد يكون سؤالًا عن الحق في أن يكون الإنسانُ نَفْسَه.

الكاتبُ…

جوان سلو

“أخطط لمواصلة الاستفادة من استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة رواياتي، مع السماح لإبداعي بالتعبير عن نفسه على أكمل وجه”
(سي إن إن بالعربية 20 يناير 2024).
هذا ما قالته الكاتبة “ري كودان” الفائزة بجائزة الرواية اليابانية لعام 2024، والبالغة من العمر 33 عاماً، حيث أنها اعترفت بأنها حصلت على مساعدة من مصدر “غير مألوف” أي…