
هذا الصباح، أتأمل، الشتات، الذي أخذنا أسراباً أسراباً من على مقاعد الدراسة الى تخوم المنافي غير المستقرة مثل أرواحنا، بعد أن جربنا وخربنا صنوف الأدب، وخاصة الشعر، وبعد أن تعالت صيحاتنا على مدرجات الكليات المختلفة وفي مداخل الجامعات المختلفة أيضاً، لتأخذنا الخرائط المنقوشة، وتحتضن مشاكساتنا مدن وعواصم زرناها أو لم نزرها، حالمين، بأن نكون يوماً من المتربعين على العروش، أي عرش كان، ولكن نظل متهافتين على الحياة التي نبذتنا بقوة، وما زالت تنبذنا بقوة قاتلة.
هذا الصباح، أخذني تأملي الى مدن بعيدة، كأنها سراب، مدن أحتضنت مآسي جيل مبدع كامل، لتتفرق جمهراتنا، ونصبح فرادى، هكذا، صلة وصلنا صحف، وأخبار قصيرة متفرقة، حنين يشدّ شعر حنين، في خصام ووئام تامين، مرضى هناك، وموتى في مكان آخر، وبائسون في جمهوريات بعيدة، وتعساء في مدن بليدة، وكسالى في برازخ صاخبة، وحزانى في أركان قريبة، وغرقى في شواطئ الحياة في مطارح غير محفوظة الأسماء، حيث لا يسمع أحد نبض قلبه، فترتعد ذائقتنا كأننا نحمل سيوفنا بين أفئدتنا لنقتل الوقت الذي لا يمت، بل يموتنا، هذا الوقت الكئيب، اللئيم، ولا ينتهي فـ”عمره” طيول كالسراب.
هذا الصباح، فقدت شهيتي على القراءة، وعلى الكتابة، تماماً كما فقدت شهيتي على رؤية وجه صديقة عابرة، فكان عليّ أن أكون من المستعيدين لذاكرتي الى عقود تركتنا، بل مرت من أمامي الآن ولم أنتبه اليها، عقود قضيناها كتابة، وألماً ووجعاً وفشلاً ونجاحاً وصخباً، متأبطين كل ما نملكه في حقيبة سفر صغيرة وحيدة، وأعيننا على المجهول، يقلقنا المكان، أنما كان، ذاك المكان، يقلقنا السعادة، كما يقلقنا الألم، مدرجون في قوائم نجهلها، منتمون الى أوطان تدير ظهرها لنا، نحب أناساً لا يحبذون أصواتنا، ونكره أصواتاً تموت وتغرق في حبنا، ونرحب بأناس يصفقون لغيابنا، ونعبس في وجوه مَنْ يردن لنا أن نكون من الظفار.
هذا الصباح، صباح نزق، يتحرش بحلمي، وحلمي أزل، فأكون من الشامتين بهذه الحياة، أكون على النقيض حتى من نفسي، قهوتي تبردّ، وتأملي في طيشه، وأنتبه الى نفسي، فإذ بيّ وهم، وماذا يعني أن أتأمل الله من شرفتي، وأن أعيد الى ذهني حفنة أصدقاء تبعثروا كريش حمام تلقفته طلقة صياد، أو ماذا يعني أن أكون في بلاد تائهة، وأنا بألأساس تائه في بلادتي المثيرة للسجال، أو ماذا يعني أن أطفئ سيجارتي في الهواء فأعرف أني بحاجة أكثر من ماسة الى سيجارة أخرى، وطاولتي مكان، وسقفي منزلي زمن مرّ يمد لسانه لي.
هذا الصباح، أتذكر المتنافسين على جائزة البوكر، وأقص على نفسي حكايا زوربا، وبساطته وسعادته، وأتذكر “منى” في الزمن الموحش”، فتربطني علاقات كثيرة ومتشعبة مع اللااستقرار، لأني أحب أزيز الرصاص كما يحب رياضيٌ فسحة المكان.
بعد تأملي في هذا الصباح: دعوتُ صديقتي على الغداء.. فإعتذرت بهدوء.