الضحك الأسود في قصص قادو شيرين (Serok u merok ) نموذجاً

أحمد حيدر

لا شك َّأن معالجة القضايا السياسية في الأدب ِالساخر ِتستوجبُ دراية ًفي تقنيات ِالسرد وقدرة على التمرد ِوالتجديد وحس نقدي ” لأنه يعكس صورة الواقع بجماله ِوقبحه ِولكن بأسلوب مختلف ٍعن الكتابة ِالعادية ” والكتابة الساخرة لاتعني التنكيت من أجل الضحك كمهرج في السيرك فيفقد النص الأدبي سياقاته الجمالية ويتحول إلى خطاب ايديولجي مقيت بل تعد انقلاباً على اللغة والمفاهيم والقيم السائدة فالسخرية في الأدب ” موقف من العالم،التقاط لأبرز مفارقاته، هجاء لنقائضه، يدمي الروح في اللحظة ذاتها التي يضحك فيها الكائن البشري على ضعفه ِوتخاذله ِوخساسته ِوابتذاله ِ، قبل أن يضحك بسببها على الآخرين”
قادو شيرين أحد كتاب القصة الكردية الساخرة في سوريا الذين سخروا أقلامهم لتعرية القبح والمظاهر السلبية في المجتمع  من خلال اشتغاله ِعلى تقنيات السخرية  في قصصه – المنفتحة على السيرة الذاتية والمذكرات والشعر والحكايات الشفوية – التي كتبها على امتداد عقدين بين القامشلي وهولندا وتعالج  بقالب كوميدي موضوعة واحدة هي :
(استلاب الإرادة) وأغلب أبطاله ِهم من القاع الاجتماعي  : المجنون والمهاجر والسجين السياسي والعاشق الفاشل والمرأة العانس والسياسي المحبط  والمثقف المفلس   
اللافت في قصص مجموعته الجديدة  : (Serok u merok) استخدامهُ لتقنية التمويه أو مايسمى (الإيهام المرجعي) لإقناع المتلقي بأن القصة واقعية بدءاً من المقدمة ومروراً بالسرد الذاتي وانتهاءً بالقصة الأخيرة(الصفحة الأخيرة) المذيلة باسم قادو شيرين ولتعزيز هذه القناعة لدى المتلقي يذكر أسماء شخصيات حقيقية وأماكن واقعية معروفة لدى المتلقي : أحمد وطني وحريق سينما عامودا وبوغي بريفا ومهرجان ديار بكر الثقافي والفني دورتسموث ونهروز قرية الكاتب وشيدا وخوشناف تيلو ويبتكر فضاءات كاريكاتيرية  لاستدرار الضحك
” يرسم البسمة على الوجه ويضع خنجرا في القلب ” ليبرز مفارقاتها أملاً بالتبصيرأوالتغيير  
وأفلح الكاتب قادو شيرين في توظيف مرويات شفوية من الواقع : اجتماعية وسياسية وثقافية ودينية في متن نصوصه بحرفية دون أية بهرجة لغوية لتوصيل فكرته إلى المتلقي في قصة
(  Serok u merk) التي تحمل عنوان المجموعة دعوة صريحة وجريئة إلى قيادات الحركة الكردية في سوريا إلى مراجعة عقلانية ونزيهة للتجربة السياسية واستخلاص الدروس والعبر لإعادة النظر في مناهج العمل والأساليب البدائية التي تتنافى مع روح العصر للخروج من مأزقها الراهن والتخلص من ميراث المركزية والتسلط البيروقراطي وضرورة الاعتراف بما ارتكبوه من نواقص وأخطاء جاء في الرسالة التي أرسلها بطل القصة إلى سكرتير حزبه :
في بداية ِعهدكَ كنتُ أصلي لك وأدعو أن يمدَّ الله في عمرك َ
واليوم أدعوعليكَ أن يقصرَّ الله ُفي عمرك َ
هل تتذكر حينما زرتَ بيتنا قبل َسنوات ماذا فعلتْ المسكينة أمي من أجلكَ ؟
صدقني لو زرتنا الآن لما فتحت أمي لك الباب
هل تتذكر كيفَ نحرت الذبائح أمام قدميكَ عندما زرت َقريتنا ؟
أفخر الأكلات  كانت تقدم لكَ : قشطة الجواميس ورؤوس الغنم و……!
كيف يتعارك رجال القرية للظفر بغسل يديك مثل طفل مدلل ؟
كيف يتسابق وجهاء القرية للجلوس بجانبك في المضافة ؟
علقنا صورتك في بيوتنا قرب صور العظماء
صرت فارس أحلام النساء وأطلقنا اسمك الجليل على الأطفال الذين ولدوا في عهدك الميمون
هل تتذكر كيف حملناك مسافة طويلة على ظهورنا ذات ليلة ممطرة لحضور ندوة سياسية من أجل أن لا يتوسخ حذائك الايطالي ؟
لقد تغير العالم وأنت لم تتغير لذلك لم تعد سكرتيراً مناسباً ؟
في قصة (partiya don kisot) يدين الكاتب الممارسات الخاطئة التي تنتهجها بعض الأحزاب الكردية في احتكار الرأي و الحقيقة وإلغاء الآخر المختلف على مبدأ(أنا الدولة أنا الشعب) والتستر وراء الشعارات البراقة – الطوباوية – من أجل تحقيق مصالحها الآنية
يورد على لسان أحد المناضلين :
– لماذا لا تصدقني ؟ أحلف لك برأس الشيخ وبقبر الشيخ جبر بأن حزبنا هو من أفضل الأحزاب الموجودة في الساحة الكردية حزب تحرير كردستان الذي سيحقق حلم الكردي بعد أيام قليلة ؟ ثم لا تلبث أن تنكشف بعد مرور سنوات مزاعم هذا المناضل وتتلاشى أحلامه في مهب الرياح
ويتوقف عند تنامي حالة زائفة في المشهد الثقافي الكردي على حساب الثقافة الحقيقية وبروز مظاهر النفاق والتزلف والتعصب في قصة (pirtok firos) فمن يرغب في حضور فعالية ثقافية لابد أن يؤكد حسن نيته ويقدم – صك الغفران –  للجهات المعنية  أو للمافيات التي  تعمل لصالحها ويعترف بطل القصة بأنه كتب عشرين مقالاً من أجل تأمين بطاقة السفر :
– لكن هناك أسماء فاعلة يتم تهميشها في هذه اللقاءات
– هؤلاء يكتبون للتاريخ
– وأنت لمن تكتب ؟
– أكتب من اجل بطني ومن أجل تأمين لقمة الخبز لأطفالي !!
تميزت قصص المجموعة بالدخول في الموضوع مباشرة دون مقدمات أو شروحات وتفسيرات
فمثلاً في قصة ( beliceya dawi ) يقدم حوارية جد مؤثرة حينما يلوذ إلى عوالم حواء الخصبة – الآمن – بعد سنوات من الحرمان والعزلة لإعادة التوازن للروح المضطربة في هذا الزمن المخادع زمن التهافت المادي والتقني  :
– هل تتذكرين عندما كنا نتمشى في الطريق ِماذا فعلتُ بك ِ؟
– كنتَ تحاول أن تفك َّأزرار قميصي لكنني منعتك َ
– من أجل أن تضحكي اعتمرتُ سروالك ِالأحمر فوق رأسي
– كانَ واسعاً وبدا منظرك مضحكا وأنت في داخلهِ
– ثمة شامة سوداء تحت ثديك ِالأيسر
في قصص المجموعة الجديدة (  ( Serok u merok تتجلى قدرات قادوشيرين على كتابة نصوص متكاملة تتوافر فيها  جميع عناصر العمل السردي آمل أن يستثمرها الكاتب في أعماله القادمة ويتخلى عن كل مايؤرقه .

– (  ( Serok u merok
– الكاتب قادو شيرين
– إصدارات : سماكرد 2009

– لوحة الغلاف : الفنان عنايت ديكو

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

خالد بهلوي

شهدت دول العالم خلال العقود الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في أعداد الجاليات الكوردية نتيجة الهجرة القسرية التي فرضتها الحروب والأحداث المؤسفة، حيث عانى الشعب الكوردي، ولا سيما المرأة والطفل، من ويلات كبيرة دفعتهم إلى البحث عن الأمان والاستقرار في بلدان توفّر الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.

ومع وصول الأسر الكوردية إلى الدول الأوروبية، بدأت…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، بكثيرٍ من الحزن والأسى، نبأ رحيل الشقيقين:
محمد سليمان حمو
نجود سليمان حمو
وذلك خلال أقلّ من أسبوع، في فاجعةٍ مضاعفة تركت أثرها الثقيل في قلوب الأسرة والأصدقاء ومحبيهما.
يتقدّم المكتب الاجتماعي بخالص التعازي وصادق المواساة إلى:
الكاتب اللغوي والمترجم د. شيار،
والشاعرة شيلان حمو،
والكاتبة والمترجمة أناهيتا حمو، وعموم العائلة…

إبراهيم محمود

لم يغفروا له

لأنه قال ذات مرة همساً:

” يا لهذه الحرب القذرة ! ”

لم ينسوا غلطته الكبيرة جداً

لأنه قال ذات مرة:

” متى ستنتهي هذه الحرب ؟ ”

أوقفوه في منتصف الطريق

عائداً إلى البيت مثخن الجراح

وهو يردد:

” كيف بدأت الحرب ؟”

” كيف انتهت هذه الحرب ؟ ”

حاكموه خفية لأنه

تساءل عن

رفيق سلاحه الذي لم يُقتل

في…

ماهين شيخاني.

أنا رجلٌ
لم أسأل التاريخ:
هل يريدني؟
دخلتُهُ كما يدخل الدمُ
في اسمٍ قديم.
وُلدتُ بلا دولة،
لكن بذاكرةٍ
أوسع من الخرائط،
تعلمتُ مبكراً
أن الوطن
ليس ما نملكه،
بل ما يرفض أن يتركنا.
صدقي
لم يكن فضيلة،
كان عبئاً وجودياً،
كلما قلتُ الحقيقة
انكمش العالم
واتسعت وحدتي.
خسرتُ المال
لأنني لم أُتقن المساومة،
وخسرتُ الوقت
لأنني صدّقتُ الغد،
وخسرتُ الأصدقاء
حين رفضتُ
أن أكون ظلًا
في حضرة الزيف.
أنا رجلٌ
يحمل قوميته
كما يحمل جرحاً مفتوحاً:
لا ليتباهى،
بل كي لا ينسى
أنه ينزف.
رفعتُ…