إلى صاحب الظلِّ العالي «إسماعيل عمر أبو شيار»

بدرخان علي

أحسدُ، اليوم، بحقّ مَنْ لم يعرفك عن قرب، أو عَرِفك كسياسيّ واحد بين المئات من القيادات الكرديّة التي تكدح لإنصاف هذا الشعب المغبون، لكنّك كنتَ عندي شيئاً آخر قبل أن تكون قياديّاً بارزاً. كنت ذاك الإنسان الكبير، الذي أشعر بندمٍ كبير على معرفتي به. أأقول تبّاً لذاك اليوم، أم ألومك على فيض إنسانيّتك؟

 نفهم أنّك لم تكن تحبُّ الأضواء؛ لكن حتّى في رحيلك النهائيّ تنسحب بصمت وبلا مقدمّات؟ وتتركنا للمرّة الأولى هكذا دون أن تحسب لنا أيّ حساب من بعدك؟  ليس من شيمك أبداً أن تفكّر بالراحة لنفسك، وحدك، وتتركنا هكذا بلا سَنَد.
بلى، هي المرّة الأولى، والأخيرة، التي تتسبّب بالآلام والأحزان لغيرك. ما عهدناك كذلك يوماً ما. لكنّه خطأ السماء، في حقّ الأرض، وبحقّي، لا ذنبك.
 أعرف تماماً أنّك كنت متعباً هذه السنين الأخيرة . فظاهرك هو مرآة لباطنك. كنت إنساناً طبيعيّاً، في كلّ شيء، بلا رتوش وبلا إضافات. كنت أعرف، كغيري، هشاشة قلبك من الداخل، لفرط ما حملت من أوجاعٍ وهموم ومحبّة، رغم شموخك وكبريائك. رأيت الدموع مرّات في عينيك، دون أن تذرفها. عيناكَ مرآةُ قلبك. قلبُكَ عينا روحك. روحُكَ سرير الملائكة؛ روحُك متعَبة.
كنّا نظنّ أنك ستعيش إلى الأبد، وتواسي كلّ من تعرفه عند الملمّات والمِحَن..  أشعر بالاختناق، وأنا أفكّر فيكَ، و بالحياة من بعدك. الحياة من بعدك، أبو شيار، ليست كما هي معك.
الموتُ مصادفةٌ. لكنّ حبّك لم يكن مصادفة.
الموتُ حقيقة الكائن. حقيقة العدم. عدم الحقيقة. حقيقة الفراغ و الهيولى. تلاشي الحقيقة. يا لسخرية القدر أن تموت، وحيداً، في بيتك الذي لم تأوِ إليه، إلاّ قليلاً. أمّا كيف تجرّأ أحدهم على نزع روحك الرقيقة، ككلامك الطيّب، عن جسدك المضيء، فهذا ما لا يمكنني تخيّله.
 أنت راقدٌ هناك، تتأمّل في حالنا، على الأرجح .هل أخذت معك بعضاً من قصاصات الورق التي كانت في جيبك دوماً؟ من سيقول لنا، مثلاً، أننا يجب أن نبحث عن أكبر عددٍ من الأصدقاء لقضيّتنا ، وكيف؟ من سيعلّمنا “الأولويّات” و”ترتيبها”؟ كيف نعرف مثلاً ما يجول في خاطرك هذه اللحظة عن “موازين الربح والخسارة” في السياسة. عن “التوازن بين الحقوق والواجبات” في المواطنة؟ من سيبيّن لنا معنى “المسؤولية” في الكلمة والموقف والسلوك، ومن سيجسّدها، من بعدك؟ فالفارق بين موقف سياسيّ وآخر، لديك، كان “الشعور بالمسؤوليّة”، لا أكثر ولا أقل. كم كنت تردّد هذه العبارات، دون ملل.
من يربّي فينا الأمل الصغير، دون افتعالات أو أوهام كبيرة؟ و النوروز القادم هل سيكون من دونك؟ وما قيمة مديتنا في غيابك الخاطف؟ ومن سيخطب في الناس، بخجلك المعهود و صوتك الخفيض، دون صخب؟ والمساجين حين يرجعون من العاصمة ، ألَنْ تزورهم؟
ثمّة خطأٌ ما، في مكانٍ ما على هذا الكون. خطأٌ ما اُرتُكب صبيحة الأثنين الأسود، و لا سبيل إلى تصحيحه. كلُّ شيء، انتهى، في لحظةٍ واحدة، أيّها المعلّم، ويبقى طيفك النورانيّ، مشعّاً على سماء المدينة.
ليس هذا الوقت للإكثار من الكلام عليكَ أيّها الكبير في حياته ومماته؛ عن اعتدالك في كلِّ شيء، عن حكمتك، عن بساطتك وصدقك ونُبلك…..هذا وقت للصمت والبكاء، وحسب.
المفجوعُ بك، إلى الأبد….بدرخان
21-10-2010

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…