التقمص والتبرقع

  د. كسرى حرسان

الإنسان كائن ناطق، ولا يستحق هذا الاسم إلا إذا استوفى شروط إنسانيته كلية أو أجزاءً بحيث لا يُخِل بقيمته الأخلاقية، وإلا فإنه يخرج عن كونه آدمياً ويُطرَد من هيكل الإنسانية، بل يصبح الحيوان خيراً منه، ولا يبقى له إلا النطق.

قديماً في زمن غير بعيد كان يوجد أولئك المغنون الذين يتخذون العزف والغناء حرفة لهم من أجل الكسب، وكان من بينهم من يمدح رجال تلك الأيام يرفع من مقاماتهم ويعظم شأنهم، بكلام عادي ليس من الشعر والموسيقى في شيء، في سبيل استمالة جيوبهم، وكانوا نادري الوجود.
أما اليوم فتمتلئ هذه المنطقة بأشباههم في المذلة والمهانة ولكن في صورة أخرى مختلفة شكلياً ومطابقة فعلياً، كأن الصنفين وجهان لعملة واحدة، غير أن وجه الاختلاف بينهما هو أن أولئك الغابرين كانوا يُطرون غيرهم، لكن هؤلاء يقرِّظون أنفسهم نعتاً ومدحاً ويتشاركون ثلة في تبادل كلمات المديح التي تنبعث منها روائح الأنانية الجوفاء، ويبالغون في ذلك مبالغة مفرطة خالية من المضمون، إنهم عالة على هذا المجتمع وحثالة في خيمة العزاء، لا يجيدون إلا الدعاية والترويج لأفكارهم التي تماثل الغطيط خدمة لمصالحهم الجشعة وأهوائهم المريضة، لا يزَعُهم وازع ولا يردعهم خُلق، أسودٌ أقوالاً نعامٌ أفعالاً، وبهذه الأعمال لن نصلَ إلى مستوياتٍ من الرفعة والعلاء ولن نبلغَ ذراً للحضارة، بل سنظل متخلفين عن ركب الإنسانية، وسيقام علينا عاجلاً أم آجلاً مأتم وعويل كذلك المخيم الذي يجمعهم مخيم التعزية.
نهض عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن خصم دين الله بعد أن بطحه على الأرض لأن عدو الله بصق في لحيته الشريفة، قام عنه تاركاً قتاله لأن عمر كان إنما يقاتله دفاعاً عن الله أما الآن فإنه سيضربه ثأراً لذقنه، أما رجال اليوم فما أهونَ أهواءَهم وما أضأل مقاصدهم، لذلك حقَّ لنا أن نقول:
وطني أسِفتُ عليك في عيد الملا             وبكيتُ من وجدٍ ومن إشفاقِ
لا عيدَ لي حتى أراكَ بأمةٍ                  شمّاءَ راويةٍ من الأخلاقِ
ذهبَ الكرامُ الجامعونَ لأمرهم              وبقيتُ في خلفٍ بغيرِ خَلاقِ
أيظل بعضُهمُ لبعضٍ خاذلاً                 ويقالُ: شعبٌ في الحضارةِ راقِ
وإذا أرادَ اللهُ إشقاءَ القرى                 جعلَ الهداةَ بها دعاةً شقاقِ

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هامش:

يقول ابن عربي في (فصوص الحِكَم): “ولما أحبّ الرجلُ المرأةَ طلب الوصلة أيّ غاية الوصلة التي تكون في المحبّة، فلم يكن في صورة النشأة العنصريّة أعظم وصلة من النكاح، ولهذا تعمّ الشهوة أجزاءه كلّها، ولذلك أُمر بالاغتسال منه، فعمّت الطهارة كما عمّ الفناء فيها عند حصول الشهوة؛ فإنّ الحق غيور على عبده…

صبحي دقوري

أريد أن أحدّثكم عن كتاب صغير، ولكنه ليس صغيراً إلا في حجمه، فأما معناه فواسع سعة الحضارة، عميق عمق النفس الإنسانية حين تخلو إلى نفسها، وتفرغ من ضجيج الحياة قليلاً.

ذلك هو كتاب الشاي لأوكاكورا كاكوزو.

ولست أدري أكان أوكاكورا يريد أن يكتب عن الشاي حقاً، أم كان يريد أن يتخذ الشاي ذريعة لطيفة يتسلل بها…

آخين ولات

في هولير، لا يبدو الشكل العمراني مجرد تنظيمٍ للمكان، بل انعكاساً لطريقةٍ أعمق، في إدراك الزمن والانتماء.

هذا النص يتأمل المدينة بوصفها بنية تفكيرٍ8 دائرية، حيث لا تنتهي الحركة عند نقطةٍ، بل تعود باستمرار لتعيد تشكيل المعنى والذاكرة والعلاقة بين الإنسان ومحيطه.

لا تبدو…

مروة بريم

تسألني انتظارها بلطف، أختارُ مقعدًا في الصفوف الخلفية، وتختفي في إحدى أُبهاء الكنيسة لبعض الوقت، أراقب بصمت تفاصيل المكان، بعضهم مستغرقٌ في صلاته، وآخرون في حركة وقورة ومهيبة بين المقاعد، يبدو تمثال السيدة العذراء في صدر المعبد كغيمة تعلّقت بها العيون وهي تتأهّب لتنفيذ ميثاق الهطول بعد طول جفاف. يتدفق صوت الأرغن كماء عذب…