التمجيد بعد الموت ظاهرة ثقافية – اجتماعية أم…؟!

محمد قاسم ” ابن الجزيرة “
m.qibnjezire@hotmail.com

إذا حاولنا أن نحلل آلية التفكير واتخاذ الموقف وفقها؛ فقد نلاحظ: أن التفكير والموقف لا يتزامنان، في اللحظة ذاتها، عند الكثيرين..بل ربما عند الجميع مع تفاوت في طبيعة المسافة.

فالتفكير تحليل وتركيب واستقراء واستنتاج…في محاولة تشخيص لموضوع ما –مهما كان-..وهو حالة تمارس نظريا، وقد تتفق مع مسار مقتضيات المنطق وقواعده، وقد لا تتفق معها ،بالنسبة للشخص الذي يمارس التفكير..على اعتبار ان المنطق –وعلى الرغم من قبلية مبادئه- يحتاج تمرينا وخبرة.
ومع ذلك ، فإن التوافق ممكن التحقيق.سواء بالفطرة التي فطرنا الله عليها،أم بالاكتساب الذي نحققه عبر الجهود المبذولة.
هذا فيما يتعلق بالتفكير بشكل سريع،أما الموقف، فهو سلوك –نظري أو ميداني- يمثّل –أو ينتج عن- خلاصة التفكير في التعبير، وهذا الموقف في الحالة الثانية –الميدانية- يعتمد الإرادة عماد السلوك –والحركة- فيه.
فالموقف-  في كل حال- يحتاج إرادة؛ باعتبار أنها قوة تعين على التحقيق.والتنفيذ، وفي الحالة الميدانية تكون قوة الإرادة أكثر ضرورة وفاعلية قياسا لموقف النظري “فبلسانه” أو “فبقلبه” وذلك أضعف الإيمان.” اقتباس من الحديث الشريف..القائل:
“من رأى منكم منكرا …..”
فان سحبنا مضمون ما في هذه النتيجة-أو الخلاصة- على ما يجري في ثقافة مجتمع متخلف؛ كالمجتمع الكوردي –وطبعا المجتمع العربي، وأكثر – فيما يتعلق بتقدير القيمة الإنسانية عموما، وتلك المتجسدة  في أشخاص بعينهم نلاحظ عجبا.
يكون هؤلاء الأشخاص أحياء، وبين ظهرانينا، ولا نحس بهم وجودا على قدر ما يستحقون،فما بالك  في الإحساس بهم قيمة فاعلة ،ومتفاعلة..!
فمثلا: في الأمس القريب جدا ..توفي المرحوم، الأستاذ إسماعيل عمر –رئيس حزب الوحدة الديمقراطي الكوردي في سوريا- يكيتي- فتسارع الجميع إلى حمده، ووصفه بنعوت  جعلتنا نشعر به شخصا جديدا غير الذي كنا نعرفه.وقد تصاعدت إلى الذهن تساؤلات:
مادام الرجل بهذه المواصفات؛ فلماذا كانت المواقف السلبية منه من هؤلاء الممجدين له الآن.. قبل موته، وخمود هذه الخصائص حينها.؟!
ولماذا لم تستغل  قوة هذه الخصال فيه لخدمة القضية المشتركة كرديا ووطنيا..؟!
وفي يوم الاحتفال بأربعينيته،  بلغنا نبا وفاة الأستاذ “صلاح برواري”..الكاتب والسياسي..وبدأت كتابات البعض تبحث، وتنبش عن خصاله وخصائصه…
وكثر ذكر الصداقة، والعلاقة  الحميمة بينهم وبينه..وكثر الندب وتعبيرات الحزن في الحديث عنه.. مع أننا لم نسمع عن الحديث عنه –لفظا أو كتابة- وهو حي..!!
بم نفسّر مثل هذا السلوك ليس عن الذين كتبوا عن المرحومين: “إسماعيل” و”صلاح”فحسب.بل عن كل الحالات المتشابهة.
المرحوم درويش ملا سليمان-المعروف بـ”الجوهري”. والسياسي الذي كان من المساهمين في تأسيس جمعية الشباب الديمقراطي الكوردي في سوريا في مطلع الخمسينات –ربما في 1953-إضافة إلى السادة “عبد الله ملا علي” و”أبي جيم” و”محمد توژ”…الخ.
وكان المرحوم درويش –وكنت اعرفه عن قرب- عضوا فاعلا في البارتي بعد انضمام هؤلاء الشباب إليه..ولكنه عانى الأمرين من بعض رفاقه، وقد نتج عن ذلك هروبه إلى ألمانيا لاجئا من ظلم السلطة والرفاق معا..ولا أبرئه من أخطاء يرتكبها البشر في أثناء عملهم.وينسب إليه دور فاعل في انعقاد “المؤتمر الوطني” في “ناوبردان” في كردستان العراق عام 1970. عندما تعرض لضربة أداة قاطعة من نازي في ألمانيا ، كانت الضربة القاضية على نبضات روحه.وجيء به إلى “قامشلي”.
حضرت دفنه في مقبرة حي “قدور بك” في الـ “قامشلي ” فتبارت الكلمات من رفاقه السابقين أنفسهم – من الحزبيين القدماء – عبر كلماتهم على المقبرة؛ على إضفاء صفات ايجابية كثيرة عليه، ذكروا، وشددوا على خصاله وخصائصه الحميدة..
وقد قلت حينها –كما اذكر:
لماذا لا نعرف قدر بعضنا ونحن أحياء، ويمكننا عبر هذه المعرفة أن نحقق الكثير مما يفوتنا ، بدلا من أن نتبارى على ذكر المحامد بعد الموت..!
هل هذه  ثقافة أم سوء تقدير؟
أم هي فهلوة،وبعضهم يقول:”فلهوة”- نحاول فيها التأثير –واستدرار عاطفة واهتمام الجماهير المسكينة، للتلاعب بمشاعرهم في مشوارنا الطويل، للبحث عن حقوقهم -كما نزعم دائما..!!
وتتوه قيم اجتماعية يفترض بنا أن نجعلها ساطعة،وفاعلة، وتبني التناغم والتفجير للطاقات الخلاقة لفائدة الأجيال جميعا ..!!.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تُمثِّل الهُويةُ الأنثوية واحدةً من أكثر القضايا حضورًا في الأدب المعاصر، إذْ لَم تعد المرأة موضوعًا للكتابة فَحَسْب، بلْ أصبحتْ ذاتًا كاتبة تعيد تشكيلَ العالَم مِن خِلال لغتها الخاصَّة وتجربتها الوجودية الفريدة.

ومِن هذا المنطلق تتجلى أهمية المقارنة بين الشاعرة الكويتية سعدية مفرح ( وُلدت 1964 )، والشاعرة…

شعر: حفيظ عبد الرحمن
ترجمها شعرًا: منير خلف

بنعومةٍ،
ووشاحِ موّالٍ
يلامسُ جيدَ هذا الحُلْمِ
في شغفِ انتظارْ.

بجنوحِ باخرةٍ
تهبُّ من اصفرارِ التّبرِ
من خصَلاتِ شَعرِك،
ضحكةٌ خضراءُ تكفي
وهي تعزفُ من أعالي الأمنياتِ الشّوقَ،
هذا الشّوقُ يهطلُ
في بيادرَ من لقاءٍ
سوفَ ينبتُ في النّهارْ.

وبرقّةٍ
هذي خزاماك التي في سفحِ حُسنِكِ،
شامةٌ في الوجهِ في أيّارَ،
حقلُ زنابقٍ تطفو على النّاياتِ
يحجبُها انبهارْ.

وكأنّها أقراطُ آذارَ الجديدِ،
ومِسْكُ أجنحةِ الخيالِ
مُحَلّقاتٍ فوق خمرةِ…

محي الدين حاجي:

أبناء ديركا حمكو….منطقة كوجرا….ودشتا هسنا…..خصوصا والأعمار التي تبدأ بالأربعين تقريبا يتذكرون الأعراس الفلكلورية القديمة والتي كانت تقام في البيادر والفلا وتحت أشعة الشمس وضوء (اللوكس) المعلق على عمود صغير وأحيانا تحت ضوء القمر الصيفي .وصوت المزمار لم تكن تفارق الأذن إلا بعد أيام وأيام وصوت الطبل كانت تسمع…

صدر عن دار تاسك للنشر والتوزيع في الجزائر- أمريكا- إصدار جديد بعنوان “جكرخوين… رسول السهل والجبل” للكاتب إبراهيم اليوسف، يقع الكتاب في نحو مئتي صفحة من القطع المتوسط، ويشكّل إضافة نوعية إلى المكتبة الكردية والعربية، من خلال مقاربة توثيقية تعتمد الشهادات والحوارات والقراءة الثقافية لشخصية الشاعر الكردي الكبير جكرخوين، أحد أبرز رموز الشعر والهوية الكردية…