وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

  حسين عيسو

ذات مرة حصل اختلاف في الرأي مع أحد الأصدقاء من خلال الانترنت , بسبب انتقادي لإحدى مقالاته , فما كان من ذلك الصديق إلا أن غضب وقطع كل صلة له معي , ومن جهتي فقد عاملته بالمثل , لكن وبعد حوالي ثلاثة شهور , عاد ذاك الصديق للاتصال بي , وعادت الأمور بيننا الى مجراها الطبيعي , دون أن أهتم بالاستفسار عن أسباب القطيعة وعودة التواصل , وبعد فترة علمت أن “سهيل الشبلي” والذي كان صديقا مشتركا , اتصل بذلك الشخص , لائما , شارحا له أهمية تقبل النقد والرد بعيدا عن الشتائم والقطيعة , قائلا له : أن السياسي البارع والحكيم هو الذي يتقبل النقد , لأن النقد أسلوب حضاري , ومهما كان جارحا فإنه لابد أن يدلنا على عيوب قد نكون غافلين عنها , ويمكن الرد عليها , إذا كانت غير مبررة ,  وعدم تقبل رأي الآخر دليل على عدم الثقة بالنفس , وإذا قطع أحدنا علاقاته مع كل شخص يختلف معه فهو الخاسر.
        تذكرت ذلك منذ أيام قليلة , في ذكرى مرور عام على رحيل “سهيل الشبلي” عن دنيانا , وتذكرت كم كان ذلك الإنسان عظيما , واثقا من نفسه , قد يختلف معك مئة وثمانين درجة , الا أنك لا تخسر وده , مؤمنا بأن الاختلاف في الرأي من سنن الطبيعة الإنسانية , ويجب أن يؤدي الى التواصل والتحاور لخلق مساحة من التقارب يمكن البناء عليها , وليس التنابذ والتنافر الذي يؤدي إلى الإقصاء والتهميش وخلق الفرقة بين أبناء الوطن الواحد , كان يرى أن التحاور يجب أن يكون بين المختلفين , ويشبه المتحاورين المتفقين على كل شيء , على منابر بعض التلفزيونات العربية , بجوقة المداحين الذين يكررون نفس اللازمة , ما يؤدي الى تنفير المشاهد , كان يؤمن بأن الفكر النقدي هو المحفز لحركة الحضارة , ويستشهد دوما بمقولة الفيلسوف اليوناني “زينوفون” بأن الإنسان حين يرفض النقد , فإن أخطاءه تتراكم الى درجة قد لا يستطيع التخلص منها , فيبقى دائرا ضمن الحلقة التي رسمها لنفسه , لا يستطيع الفكاك , كان يعتبر تقبل النقد عملا عقلانيا , والتحدي الحقيقي للعقل هو في تقبل الرأي الآخر ودراسته والاستفادة منه ,

كان يرى أن الإنسان الأوربي لم يستطع التخلص من عصور الظلام , إلا بعد أن قرأ تاريخه  بأسلوب نقدي , فاستطاع تصحيح ما شابه من أخطاء , وتوصل الى أن تهم الهرطقة والتجديف لم تكن سوى أساليب تعسفية لإسكات الصوت الآخر , حينها تخلص الإنسان الأوربي من عصور الظلام , لينهض ويصل الى عصر الأنوار , ويصل إلى القمة اليوم .
     رافق مرض القلب سهيلا منذ ولادته , فمنحه ذلك القوة في شخصيته , كنا أكثر من أصدقاء برغم الاختلاف الواضح بيننا في الرأي , كان عربيا ينتمي الى الحزب الشيوعي , في المقابل أنا كردي بعيد عن الماركسية ولا أؤمن بالحزبية التي أراها تسلب الإنسان حيوية التفكير وحرية الرأي , كثيرا ما كان النقاش يحتد بيننا , ولكن كنا نخرج من تلك النقاشات أكثر قربا , لقد كانت بيننا رابطة أسمى ألا وهي الوطنية السورية , فقد كان سهيل من المؤمنين بأن التواصل بين المختلفين أهم كثيرا منه بين المتفقين وأن المساواة في الحقوق والواجبات بين أطياف المجتمع السوري المتعدد هو معيار تطورنا , وأن ثقافة الإقصاء والتهميش ومحاولات إلغاء الآخر , ليست في مصلحة بلدنا سوريا , وإنما تخدم أعداءها , فهي لا تؤدي الى بناء الأوطان بل الى تدميرها , وأن الاختلاف المذهبي والديني والقومي , موزاييك حضاري سوري , يمتد لآلاف السنين , وألوان الموزاييك أغنى وأجمل من اللون الواحد , إذا عرفنا كيف نستفيد منها , كان يشبه الفكر الواحد الذي يرفض الآخر , ولا يقبل النقد , بسلطة استبدادية تقمع كل  صوت معارض , فتخسر بذلك المرآة التي كانت تكشف لها عيوبها , كي تتفاداها , أو مثل فريق كرة القدم الذي ينزل وحده الى الملعب , دون فريق يتبارى معه , ولا يوجد في الملعب غير مشجعيه وطباليه ,  فيشوط يمينا ويسارا , دون أن يستفيد من تلك اللعبة , وتكثر أخطاؤه , فمشجعوه مهمتهم الزعيق والتطبيل له , دون وجود منافس , أو حكم يحاسبه على أخطائه , فيبقى مكانه يراوح , ولا ينتبه الى فشله , الا حين النزول أمام فريق آخر حقيقي , حينها لا يفيده مديح الطبالين وزعيق المشجعين , وحينها فقط يكتشف ذلك الفريق , كم أنه كان مخطئا لعدم السماح لفريق منافس , يحرضه على إتقان اللعبة , ولكن بعد فوات الأوان , بعد أن تخلف كثيرا عن الفرق الأخرى .
     هكذا كان سهيل الشبلي ومن حقه على أصدقائه والذين عرفوه عن قرب أن يتذكروا كم كان ذلك الإنسان رائعا في تعامله مع الآخر , ومن حق الأجيال اللاحقة علينا أن نعرفهم بفكره , فالإنسان يموت ولكن أعماله وحدها هي التي تخلد ذكراه .
حسين عيسو
الحسكة في : 01/01/2011

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…