نجوم المناطق القصية

إبراهيم اليوسف

لا يزال حتى الآن للمدن الكبيرة، في أي بلد، دور مركزي كبير في إمكان تقديم أصحاب المواهب، في شتى مجالات الإبداع، ليكون ذلك على حساب موهوبي المناطق النائية، أريافاً ومدناً، على حد سواء . وحقيقة ثمة مبدعون في مجالات فنية وثقافية وعلمية عدة، لا تتهيأ لهم الظروف المناسبة في مدنهم وقراهم النائية، لممارسة وتطوير مواهبهم، أياً كانت، بعكس ما هو متوافر لأبناء هاتيك المدن الأوفر حظاً، والذين من الممكن أن يجدوا حواضن لمواهبهم – وإن كان لهذا الأمر نفسه شروطه في بعض الحالات – ولا تكون الطرق مفروشة بالورد دائماً .
لقد جاء منذ أيام قليلة خبر رحيل الفنان السوري جمال جمعة، وهو في أوج عطائه الإبداعي والثقافي والفني، بعد أن أحب خشبة المسرح منذ نعومة أظافره، واستمر ذلك من قبله حتى النفس الأخير من حياته، التي كرسها من أجل المسرح، إلى تلك الدرجة التي يمكن القول فيها عنه إنه كان يعيش “حالة مسرحية” لا ينفك عن سطوتها، طوال حياته، مشكلاً بذلك علاقة جد غريبة مع عالم المسرح، ومن دون أن يحيد قيد أنملة، أو لمجرد لحظة واحدة عن ذلك الهيام العجيب .

ولعل مشكلة هذا الفنان القدير  تكمن في أنه كان مع كوكبة من الفنانين السوريين الآخرين من أبناء منطقة نائية، تقع في أقصى شمال البلاد، وإن كانت مدينته هذه القامشلي – تميزت على نحو استثنائي، لربما على مستوى عالمي، بأن بواكير مسرحها بدأت مع وضع حجر الأساس لبناء المدينة نفسها(وهو ما أشرت إليه قبل أكثر من عقد من الزمن) فكان مسرحها توأمها، وليبرز فيها كل من سليم حانا وجان ألكسان وعمر بصمة جي واسكندر عزيز وسلوى سعيد وآخرون .

لقد شارك الفنان الراحل في وضع أساس المسرح الرسمي منذ منتصف السبعينات لمدينته مع فنانين غيارى آخرين: أحمد شويش وسمير إيشوع وحبيب قسطنطين وغيرهم، من ممثلي الأجيال المتتالية، وسينتج المسرح العديد من أصحاب المواهب الجديدة الذين سيرفدون مسرح المنطقة الشمالية بشكل خاص، والمسرح السوري بشكل عام، بدماء جديدة .

عمل الفنان جمعة مع فرق عدة، ممثلاً ومخرجاً، وفنياً وكاتباً وناقداً ومعد نصوص، بالروح نفسها من الحماسة والوفاء، كما أنه عمل في مجال مسرح الطفل، ليحصل خلال كل ذلك على جوائز عديدة، ويكون أحد الفنانين الذين تركوا بصمتهم في ذاكرة المسرح على نحو لافت .

وإذا كان رحيل الفنان جمعة يشكل بحق خسارة فادحة للمسرح السوري، وأنه ترك فراغاً هائلاً بغيابه المبكر، لا سيما أنه لم ينه المشروع الذي بدأه في مجال توثيق المسرح، والإسهام في مجال الكتابة المتنوعة ضمن هذا الحقل، إضافة إلى فجيعة غيابه عن خشبة المسرح التي طالما ظل وفياً لها، فإن مثل هذا الغياب ليدعو إلى التذكير بأمر جدّ مهم وهو طرح السؤال القديم الجديد، حول ضرورة الاعتناء بأصحاب المواهب الابداعية، في المجالات كافة، وخلق الأجواء المناسبة لانطلاقتها على مستوى أكبر، ولعل فنانين من جيل تلامذة الفنان جمعة، استطاعوا تحقيق نجوميتهم، وهو ما يمكن أن يتم من خلال إجراء موازنة في رعاية الإبداع أينما كان .
زاوية أفق- جريدة الخليج-31-1-2011

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقوري

 

مقدمة

تمثّل قراءة جاك دريدا لمقال والتر بنجامين «مهمّة المترجم» إحدى أكثر اللحظات ثراءً في الفكر المعاصر حول الترجمة، لأنّها تجمع بين اثنين من أهمّ فلاسفة القرن العشرين

— بنجامين: صاحب الرؤية «اللاهوتيّة – الجماليّة» للترجمة؛

— دريدا: صاحب التفكيك والاختلاف واللامتناهي لغويًا.

قراءة دريدا ليست شرحًا لبنجامين، بل حوارًا فلسفيًا معه، حوارًا تُخضع فيه اللغة لأعمق مستويات…

ماهين شيخاني

 

المشهد الأول: دهشة البداية

دخل عبد الله مبنى المطار كفراشة تائهة في كنيسة عظيمة، عيناه تلتهمان التفاصيل:

السقوف المرتفعة كجبال، الوجوه الشاحبة المتجهة إلى مصائر مجهولة، والضوء البارد الذي يغسل كل شيء ببرودته.

 

كان يحمل حقيبتين تكشفان تناقضات حياته:

الصغيرة: معلقة بكتفه كطائر حزين

الكبيرة: منفوخة كقلب محمل بالذكريات (ملابس مستعملة لكل فصول العمر)

 

المشهد الجديد: استراحة المعاناة

في صالة…

يسر موقع ولاتى مه أن يقدم إلى قرائه الأعزاء هذا العمل التوثيقي القيم بعنوان (رجال لم ينصفهم التاريخ)، الذي ساهم الكاتب : إسماعيل عمر لعلي (سمكو) وكتاب آخرين في تأليفه.
رفوف كتب
وسيقوم موقع ولاتى مه بالتنسيق مع الكاتب إسماعيل عمر لعلي (سمكو). بنشر الحلقات التي ساهم الكاتب (سمكو) بكتابتها من هذا العمل، تقديرا لجهوده في توثيق مسيرة مناضلين كورد أفذاذ لم ينالوا ما يستحقونه من إنصاف…

إعداد وسرد أدبي: خوشناف سليمان
(عن شهادة الراوي فاضل عباس في مقابلة سابقة )

في زنزانةٍ ضيقةٍ تتنفسُ الموت أكثر مما تتنفسُ الهواء. كانت الجدران تحفظ أنين المعتقلين كما تحفظ المقابر أسماء موتاها.
ليلٌ لا ينتهي. ورائحةُ الخوف تمتزجُ بالعَرق وبدمٍ ناشفٍ على أرضٍ لم تعرف سوى وقع السلاسل.
هناك. في ركنٍ من أركان سجنٍ عراقيٍّ من زمن صدام…