السياسية والثقافة «ملاحظات»

  محمد قاسم ” ابن الجزيرة “
m.qibnjezire@hotmail.com

لأنني لم أستطع التأقلم مع المنهج الحزبي في التفكير والسلوك والتفاعل مع القيم الاجتماعية وفقا لذلك المنطق … فقد أنفت من الدخول الى معترك السياسة الحزبية، ليس تعاليا، ولا رفضا، ولا تقليلا من شأن الحالة الحزبية… وإنما لأنني لم أتأقلم فحسب، في طبيعة ذهنيتي – سمها ما تشاء- المثالية، الخيالية، الهروب، – وهذه كلمة يحلو للحزبيين عادة أن يلصقوها بالناس غير الحزبيين غالبا- ،العجز.. الخ.

 في حديث للرسول (ص): “كل خلق لما هو ميسر له” ..
فكل إنسان له  تكوينه العضوي الخاص، وثقافته الخاصة، وتربيته التي تخصه، لذا فإن الطبيعي أن يكون هناك اختلاف في أسلوب التفكير، وفي طبيعة تكوين الثقافة، ومن ثم الاختلاف في مختلف الأنشطة الفكرية،… والبدنية باعتبار أن كليهما متكاملان. هذا في الظروف التي يكون نمو الشخصية طبيعيا فيها.
 أما إذا كانت تأثيرات
” التربية القاصدة”  أو التربية غير القاصدة” كما تسمى في علم النفس –فإن الشخصية تعاني اضطرابا -يقل أو يكثر-  بحسب  الظروف والعوامل المؤثرة.
فإذا تأملنا في ممارسة الحياة اليومية في مختلف الأحوال، نلاحظ دوما أن الاختيار سمة دائمة، وجوهرية في تحديد الملائم والمناسب..
نختار الأقوى بدنيا  للأحمال الثقيلة  مثلا. ونختار الأذكى للممارسات التي تحتاج حيوية ذهنية، ومبادرات … ونحتاج الأكثر شجاعة في المهمات التي تتطلب ذلك؛ إضافة الى التدرب والتميز بالذكاء ..وهكذا..
فعملية التفاوت في القدرات والاهتمامات والملاءمة….تفرض الانتقاء –لكل ما  يناسبه- .
 ولعل هذا هو مضمون الحديث السالف “كل خلق لما هو ميسر له”.
 وتأسيسا على هذا الفهم تقول الآية الكريمة: ” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”.
لكن ما يبدو أحيانا أن البشر يكلفون النفس –وربما البدن أيضا- أكثر من وسعها..
نجد هذا في بعض الأحوال العادية اجتماعيا؛ يمكن أن ندرجه في خانة سوء التقدير أو قلة الخبرة أو…الخ. لكن الذي يدعونا للتوقف عنده هو:
عندما تصاغ أفكار وأيديولوجيات تنبثق عنها مهمات وتكليفات لا تراعي هذه الحقيقة، ولعل المثال الأبرز هنا هو العمل السياسي المنظم-الحزبي وفقا لأيديولوجيات تتميز –عادة –بغلبة الذاتي الموجّه فيها على الموضوعي الطبيعي..-. 
تتخذها الأحزاب منهجا، وبرنامجا في ممارستها السياسة، وتطوعها لمصالح تبدو سياسية ثم لا تلبث أن تتحول الى فئوية –أيا كانت- وتنتهي الى  شخصية -فردية.
نجد دوما منطلقا نفسيا –في تحديد قيم معينة، ومحاولة فرضها على الآخرين بطريقة تعسفية؛ أهم أدوات الفرض فيها: القوة المادية والمعنوية..كالتعذيب  والتهكم، والتصنيف المسيء؛ كالعمالة والخيانة وال…الخ.
إن هذه الثقافة تعكر دائما جو العلاقات التي يفترض أن تكون صفاء، ومودة متنامية بتوفير شروطها الممكنة، وقابلية للتفاهم والتفهم – تمهيدا لتعاون مجد يخدم الجميع.
لكن المشكلة أن بعض الحزبيين –القيادات خاصة- يفرضون تصورات ذاتية – يظنونها مبدعة ومتفردة في تجلياتها، ويلزمون منتسبي أحزابهم –بطريقة ما –  يساعدهم في ذلك طول بقائهم على رأس الحزب، واكتسابهم خبرة تطويع الأعضاء لهم تحت شعارات صادمة: الوطنية…القومية..ال…برنين عاطفي جذاب، خاصة للشرائح  غير المثقفة، و التي لا رصيد لها في عالم التجربة، والنضج في الوعي..
ثم ينتقلون بهذا الالتزام الى الآخرين عبر آليات أتقنوا أداءها،..وفي حال عدم الانصياع لهذه التصورات  فحدث ولا حرج من التعبيرات المؤذية، كالتهكم والتصنيف، والضغوطات المختلفة… ربما بلغ الضغط الى مصادر الأرزاق بطريقة المقاطعة مثلا، وفي حال كون الحزب حاكما فباتباع الحرمان من العمل وملاحقتهم في ذلك. أو طرق اشد تأثيرا بحسب مستوى القوة التي يتمتع بها هذا الحزب أو ذاك، هذه السلطة أو تلك.لذا قيل منذ القديم:
“قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”.
 وكذلك السلوكيات المؤذية التي تصل أحيانا الى الاغتيال..
هذه الحالة في العلاقات الحزبية تشكل ثقافة تصبح شائعة وسائدة في حياة المجتمعات المبتلاة بهذه الحالة وهنا الخطورة.
سيادة النهج السياسي في الثقافة على النهج الثقافي الأوسع الأشمل، والأعمق كما هو مفترض. وتستمد السياسة منها قيمها ومفاهيمها.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

تقديم عام للكتاب

يأتي كتاب “القراءة: قصص ومواقف” للكاتب الفلسطيني فراس حج محمد (2026) كمشروع فكري وأدبي طموح، لا يكتفي بالحديث عن القراءة كفعلٍ تقليدي، بل يغوص في أبعادها الوجودية والاجتماعية والنفسية. ينتقل المؤلف عبر فصول الكتاب من التأمل الشخصي إلى النقد الثقافي، ومن السرد الذاتي إلى التحليل المجتمعي، مقدماً رؤية شاملة ترفض التبسيط السائد في خطاب تمجيد…

إبراهيم محمود

هنا حيث انت كُباني
هناك
كما أنت أنت كباني
مرتّلةُ حجراً باركته السماء
مكلَّلة أملاً أعلنته السماء
وصاغت بها المعاني
تحيلين بردك بُرداً
تحيلين جوعك وُرْداً
تحيلين صمتك ورداً
وملؤك كردية مذ تجلى الإله
ومالت جهات إليك
وهابك ناء وداني
هي الأرض تصعد باسمك
أعلى كثيراً من المتصور طبعاً
سماء تشد خطاك إليها
كعادتها، وترفل في الأرجواني
وباسمك حصراً
كما أنت
تاريخك الحي باسمك
أعني امتشاق حِماك المصاني
سريرك في أُفُق الأمس
واليوم
والغد
كرديّ
دون ارتهان
أراك كباني
كما…

ا. د. قاسم المندلاوي

قبل الدخول إلى صلب الموضوع، الموت والخزي والعار ومزبلة التاريخ لطغاة تركيا وسوريا الظالمين الإرهابيين، الذين لم يكتفوا ولم يشبعوا من قتل الأبرياء، بقيادة شيخ الإرهاب العالمي أردوغان وتلميذه الإرهابي أحمد الجولاني، من سفك دماء الأبرياء من الكورد واليهود والأرمن والآشوريين والدروز والعلويين والمسيحيين والعرب وغيرهم.<br...

صبحي دقوري

ليس سليم بركات من أولئك الكتّاب الذين يُقاسون بموازين الذوق الشائع، ولا ممن تُفهم كتابتهم على عجل، ولا ممن يصلحون للتداول السريع أو القراءة العابرة. والحق أن من يطلب من نصوصه السلاسة، أو يتذرّع بغموضها، أو يتهمها بالنخبوية، إنما يكشف – من حيث لا يدري – عن عجز في أداة التلقي،…