وفي مصراته ينتشر الموت لتنتصر الحياة

د. عبد الباسط سيدا

تعود صلتي بمصراته المدينة الليبية الجميلة التي يتحاور فيها النخل والبحر إلى ما قبل العقدين من السنين المنصرمة تقريباً، إلى عام 1992 تحديداً، ففي ذلك الحين تلقيت عرضاً من رئيس قسم الفلسفة (أو التفسير كما كانوا يسمونه في ليبيا) في كلية الآداب بمصراته، جامعة التحدي (مركزها سيرت)، وذلك أثناء تدريسي في قسم الفلسفة بزليتن جارتها،  وكان عليّ بموجب العرض أن أدرّس مادة فلسفة التاريخ والحضارة. ترددت في بداية الأمر انطلاقاً من عامل الوقت، لكنني لم أتمكن لاحقاً من رفض طلب الصديق الكريم.

كنت أسافر إلى مصراته مرة في الأسبوع؛ وكان المشوار بالنسبة لي نوعاً من التغيير والاسترخاء والتحرر بعض الشيء من إرهاق العمل في زليتن. ولكن مع الوقت بدأت أتعرف على معالم المدينة، وأقيم العلاقات مع بعض أبنائها بفعل أصدقاء أعزاء كانوا يسكنون المدينة وما زالوا، وأتمنى أن يسلمهم الله من أي مكروه.
مصراته مدينة جميلة مفتوحة على البحر والصحراء، على الشرق الليبي وغربه؛ مدينة تزهو بنشاطها الاقتصادي، فيها مصنع الحديد والصلب الشهير، وفيها المعامل الأساسية الخاصة بالذهب في ليبيا؛ كما أن أبناءها من التجار في كل من بنغازي وطرابلس يتمتعون بمكانة مرموقة وسمعة ممتازة في الحياة الاقتصادية.
من جهة أخرى، تعتز المدينة بوطنييها ومثقفيها وسياسييها. وما لاحظته دائما في أبناء مصراته تواضعهم، شهامتهم، قدرتهم على التواصل الإنساني بنبل وصدق؛ وإلى جانب هذا وذاك، حبهم لمدينتهم موضع فخرهم واحترامهم.
مصراته مدينة لا يملّ المرء منها؛ تتسم بطابعها العمراني الخاص، كما تتميّز بسيادة الأبيض الناصع فيها ، تتصف المدينة  بطقسها المعتدل ومناخها الاجتماعي المتوازن.
كانت استراحة الحديد والصلب الموقع المفضل بالنسبة لي؛ هناك كنت أتأمل البحر، وأمعن النظر في النخل، وأصغي إلى الحوار الصامت بينهما، حوار تعبّر به النفوس عن اختلاجات أعماقها بعيداً عن ثرثرة الفكر اليومي وترهاته.
أما المكان الأثير الآخر الذي لن أنساه في مصراته فهو فندق “قوز التيك” حيث الاستراحة التي كنا نلتقي فيها مجموعة من الأصدقاء، نتبادل الآراء والطرائف، نختلف، نتفاهم، نضحك؛ لكننا لم نكن ندري أبداً، ولم يكن مقدورنا قط، أن نتخيل أن مصراته بالذات ستكون مكاناً لأشرس المعارك بين أبناء البلد الواحد؛ ومن أجل ماذا؟ من أجل بقاء دكتاتور معتوه في سدة الزعامة الوهمية؛ دكتاتور أنهك البلاد على مدى أكثر من أربعة عقود، ويطلب المزيد له ولأبنائه. دكتاتور يعتقد جازماً أن البلد ملك له، لذلك فهو يقاتل بكل شيء أهله الذين لا يرتقون وفق هلوساته الشيطانية إلى مصاف البشر.
كلية الآداب في مصراته كانت متواضعة بإمكانياتها، لكنها كانت ثرية بطموح طلبتها الذين كانوا على دراية تامة بأن الطريق الأمثل لتجاوز الواقع غير المرغوب يتجسد في المعارف والعلوم، لذلك كنت ترى فيهم الحماس والذكاء، والمتابعة العنيدة المؤدبة، على الرغم من قساوة الظروف، والكبت بأوسع معانيه.
في السنة الثانية والأخيرة من عملي في مصراته، أشرفت على رسالة تخرّج لإحدى طالباتنا حول فلسفة الموت. وما زلت أذكر السؤال الذي طرحته على أحلام، صاحبة الرسالة – وكانت طالبة نجيبة بحق تنتمي إلى أسرة كريمة معروفة في مصراته- لماذا الموت وليس الجمال؟ فمصراته جميلة بكل المقاييس. وكان جوابها هو أن الموت في منظورها همٌّ وجودي مصيري، وهي تود أن تبحث في مسألة الموت من جميع جوانبها؛ فأدركت أن جذور الاختيار راسخة، كما أن استشفافاته مشروعة جديرة بالبحث.
تُرى هل كانت أحلام تستشرف المستقبل الذي بات بكل أسف واقعاً سبّب لنا جميعاً الصدمة؟
قبل سنتين كنت في زيارة خاصة إلى ليبيا، وذلك لقضاء إجازة الربيع هناك. توجهت إلى مصراته بشوق امتلك كياني بأسره؛ دخلت المدينة بفرح طفولي بعد أربعة عشر عاماً من الغياب؛ بداية لم أتعرف على المعالم، فكل شيء كان قد تغيّر.
ذهبت إلى استراحة الحديد والصلب لأتواصل من جديد مع حوار البحر والنخل. كانت لحظات سعيدة حقاً نادرة عشتها مع مياه المتوسط وهوائه السحري؛ ومرة أخرى لم يكن في استطاعتي التكهن بأن الموت سيدفع بكتائبه لتنقضّ على مصراته – دُرّة المتوسط- انتقاماً لعقد زعيم  يماهي بين ذاته والمجد، وإرضاء لشهوات زمرة من اللصوص المفسدين.
ومرة أخرى أتساءل: تُرى هل تابعت أحلام بحثها في ميدان فلسفة الموت، وما هي النتائج التي يمكن أن تكون قد توصلت إليها؟
ولكن في كل الأحوال لا بد من القول: إن العالم بأسره يتحمّل وزر ما تتعرض له مصراته وغيرها من المدن الليبية الأبية من انتقام حاقد أرعن؛ حاقد لم يفقه بعد أن إرادة الشعوب هي الوجه الآخر من إرادة الله.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…