أدب الظلّ

إبراهيم اليوسف

“يعجبني في الرجل إذا سيم الذل أن يقول “لا” بملء فيه”
 “عثمان بن عفان رضي الله عنه”

إذا كان الأدب الرسمي في سوريا، قد استطاع أن يكوّن ملامحه، بجهود مبدعيه، على امتداد عقود، ليقدّم نفسه إلى متلقيه، عبر قنوات المؤسسات الرسمية، مثل: اتحاد الكتاب، أو وزارة الثقافة، وغيرهما من المؤسسات المماثلة- الأقلّ حضوراً على صعيد طباعة الكتاب-أو على صعيد مؤسسات القطاع الخاص التي لا يمكن أن يصدر عنها أي إنتاج أدبي، لم تتمّ الموافقة عليه، من قبل اللجان المختصة في وزارة الإعلام، فإن هناك في المقابل مؤلفات جدّ كثيرة، لمؤلفين مهمّشين، كثيرين، لما يكتب لها أن تطبع، حتى الآن، أو طبعت خارج حدود البلاد، وذلك لأنه كان يتم اعتبارها خارجة عن سياسات النشر المفروضة منذ عقود، وحتى الآن، رغم سقوط الرقابة في كل مكان، بفضل ثورة الاتصالات الهائلة .
ومن هنا، فإنه على الدوام كان هناك صوت مغيب، يتمّ إبعاده بكل الوسائل الممكنة، ويواجه صاحبه شتى وسائل التضييق عليه، لمجرد أنه يقارب، ويشير إلى قضايا حساسة، في ما يتعلق بالاضطهاد الذي يتعرّض له المواطن، وما أكثر صنوف الاعتداء عليه، مادام أنه يريد النظر إلى الأمور بعينيه، ولا يقبل أن يصادر رأيه، فيعبر عمّا يراه بطريقته الخاصة، وهذا ما تسبب في أن يدفع مبدعون كثيرون ضريبة ذلك غالية، بل إن أصواتاً كثيرة، آثرت الانزواء، مادامت لم تعد مسموعة، ويتم منعها من نشر إبداعها، وإقصاؤها حتى في المهرجانات، والفعاليات الأدبية المتعددة، ولقد تمّ وضع قوائم بأسماء بعض المبدعين الذين تمنع مشاركاتهم، وظهورهم، وهم من أكثر الكتّاب الوطنيين الذين كانوا يضعون أصابعهم  على مواطن الخلل، والفساد، والقمع، ويشيرون إليها، بروح وطنية، وإنسانية، يحدوهم إلى ذلك حبهم لوطنهم، وإدراكهم أهمية رسالة المبدع، في مجتمعه، وكان من الضروري سماع أصواتهم، التي اعتبرت نشازاً، وفق التفسير الرسمي، الرّصين،لا التعتيم عليهم، والوقوف في وجوههم، والبطش، والتنكيل بمن لم  يخرج عما هو مرسوم له، و الإقدام  على محاربتهم بلقمة أبنائهم، ومصادرة حرية بعضهم، وممارسة شتى صنوف التضييق بحقهم، ما جعل كتّاباً ومبدعين كثيرين، يضطرون للهجرة، ليشكل غيابهم خسارة فادحة لبلدهم، ونكون أمام شكل أليم من “هجرة العقول والأدمغة” .
وضمن عقلية إلغاء الرأي الآخر- بل والآخر نفسه، ما لم يكن بببغاوياً، فإنه قد تم حرمان الأدب الوطني السوري، من روافد أدب أشكال الفسيفساء السوري، المتعددة، التي تشكله، وتغذيه، وتعدّ عامل قوة وإثراء بالنسبة إليه، كما هو بالنسبة للحالة الوطنية، نفسها، ولاسيما في ما يتعلق بالأدب الكردي، وهو أدب وطني أصيل، لجزء عريق من المكون السوري، فلم تتمّ طباعة كتاب واحد، عن مؤسستي الدولة الثقافيتين، البارزتين، بهذه اللغة، ولم تتم ترجمة قصيدة واحدة من هذا الأدب، الغني، ذي الخصوصية، حتى وإن كانت هذه القصيدة تتغنى بالقضية الفلسطينية- وما أكثر الكتّاب الكرد الذين كتبوا عن قضية فلسطين بدءاً من جكرخوين، وسليم بركات، وإبراهيم محمود، وحتى الجيل الجديد الذي لا يزال يواصل الكتابة ضمن سقف الوطن، ولم تتم ترجمة  ونشر أية قصيدة لمن كتب من هؤلاء بلغته الأم، في الوقت الذي  كان يتم فيه ترجمة الأدب العبري نفسه، في بعض المنابر،  ولقد وصلت الأمور إلى درجة أن ضبط قصيدة مكتوبة بالكردية، يؤدي إلى اعتقال صاحبها، وهكذا بالنسبة لمن يقرأ قصيدة بهذه اللغة، ضمن مجرد سهرة، وهو ما يستمر حتى الآن .
وتأسيساً على ما سبق، فإن المشهد الأدبي الرسمي، كان على الدوام منقوصاً، غير كامل، وغير معبر عمن هم خارج حظيرة المؤسسة الرسمية، حتى وإن استطاع بعضهم إيصال صوته لمتلقيه، بوسائله الخاصة، من خلال المغامرة الذاتية، وهذا مارتّب بالتالي أن نكون أمام مشهد ثقافي ناقص، بل وأمام نقد ناقص، وثقافة ناقصة، وهوما لابد من تداركه أمام أية رؤية موضوعية، مسؤولة، شاملة، للمكون الثقافي السوري، العام، متعدد الروافد، والألوان الطيفية، والذي يشبه سورية هذا الوطن الأبي، والشامخ، بإنسانه، وتاريخه المجيد .

ملحق الخليج-25-6-2011

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

كيفهات أسعد

لا أحبكِ كما لو أنكِ مسبحةٌ من الكهرمان أو الياقوت.
لا أحبكِ كسيارةٍ قديمةٍ تتدرّج بغرورٍ وسط زحام المدينة.
أحبكِ بالطريقة الوحيدة التي أتقنها،
تنبت بين ظلّكِ وروحي،
بلا غرور،
بلا مواربة،
كي أستردَّ الواقع من الحلم،
كي أعصر قصائدي بماء الزهر،
وأنقّي كلماتي الرعوية في مدح حزنكِ الجميل،
في مدح امرأةٍ أطحتُ بقلبها كمطرٍ صيفيٍّ في روحي.
فمها برعمُ حبقٍ في شقوق الرخام.
منتشياً…

د. ياس خضير البياتي

في سنجار، تلك المدينة التي تتكئ على الجبل وتطل على السهل وتتنفس الصحراء، وُلد كفاح محمود كريم عام 1954. هناك، في بيئة تتقاطع فيها الصلابة مع الحلم، بدأ الطفل الصغير يختبر قوة الصوت والكلمة، فكان خطيباً في مدرسته الابتدائية بين عامي 1961 و1967، يعلن مبكراً أن للكلمة وقعاً لا يقل عن وقع…

شيرين خليل خطيب

 

“حرمة الجسد في زمن اللايك.. حين تتحول الهشاشة إلى خيانة ناعمة”. هو موضوع استقيته من خلال مراقبتي لكل ما يدور حولي، ومِن تجارب مَن حولي مع مواقع التواصل الاجتماعي وما ينجم عنها، وما سينجم عنها مستقبلاً. ففي ثقافتنا، اعتدنا أن نربط مفهوم (حرمة الجسد) بالمرأة فحسب، وكأن الجسد الذكوري خارج معادلة القداسة والانتهاك….

خلات عمر

كانت هيلين تمتلك موهبة ربانية، وصاحبة حنجرة ذهبية. أسعدت آلاف الناس بأغانيها الرائعة والممتعة. كان حضورها مميزاً، تزرع الابتسامة في الوجوه وتوقظ الحنين في القلوب. وكان تواضعها وأخلاقها سببًا في حب واحترام كل من عرفها.

قصتها المؤلمة بدأت عندما التقت بفارس أحلامها، وجمع بينهما حب كبير لا يوصف استمر سنوات طويلة. رسم كلاهما مستقبلاً جميلًا…