دم المغني يحفظ كلمات النشيد أيضاً

  * محمد حيان السمان 
 
  قتلوا المغني إذاً ؟ قتلوا – إبراهيم قاشوش – الذي ألهبَ حناجر المحتشدين في ساحة العاصي بحماه فغنوا معه واحدةً من أروع أغاني الثورة السورية : سوريا بدها – أي تريد – حرية!!. ذبحوه من الوريد إلى الوريد, ثم ألقوا جثته- الصوتَ والدمَ معاً- في نهر العاصي.

  هكذا إذاً… هكذا يكون ردُّ النظام التسلطي, في عنفه العاري وبربريته الغبية, على تظاهرة ساحة العاصي وعلى مغنّي الحشدِ فيها: حزّوا بالسكاكين حنجرته التي صدح بها منذ أيام : الحرية صارت ع الباب !!
  كان مغني ساحة العاصي قد خاطبَ العرب قبل أيام بأغنية طلعتْ من دمه : يا عرب ..يا عرب.. ذبحوا السوري وأنتو السبب ! كان دمه يعلم جيداً أن القتلة يترصدون الأريجَ , ويهيئون للصرخة طعنتها. كان دمه يعلم.

  منذ بداية انطلاق الثورة في حماه, كان إبراهيم قاشوش يغني لدرعا.. وحمص.. وبانياس والبيضا التي – داسوا فيها الإنسان – كما قال المغني مرتجلاً والناس تغني من بعده. كان يمسح بكلماته المرتجلة– على السليقة كما يُقال –و الملحّنة الموزونة, مواقعَ الجرح السوري الرغيب الممتد من درعا إلى جسر الشغور مروراً بمعرة النعمان و دوما والميدان… لم ينسَ أحداً و هو يرتجل مباشرة نشيدَه البهي. كان يتتبع بصوته الطافح بالرجولة والإلفة معاً, تضاريسَ الجريمة على جسد سوريا كلها, فيعلو إيقاعُ النشيد على شفاه الحشد في ساحة العاصي, وتصير الأغنية صلاة. وفي اللازمة : ارحل عنا يا بشار.. تعثر الحناجر أخيراً على صوتها المسروق منذ عقود.
   أيضاً المغني الشهيد لم ينس القتلة واللصوص في أغنيته… سمّى الأشياء بأسمائها: العصابة الهمجية ! يريد بذلك حاكم سوريا وأعوانه قتلة الشعب وناهبي خيرات سوريا… سوريا التي , كما تقول لازمة النشيد وتعيد : بدها حرية.
   من أين طلع هذا الحقد كله على الشعب ؟ منذ متى وهم يرعون حقول القسوة واللؤم والخسة حتى استطاعوا قطع حنجرة المغني بالسكاكين ؟!! ردوا على الأغنية بذبح المغني.. وتلقوا النشيد بسفك دم المنشد ؟؟!.. كان إبراهيم قد غنى لدم الشهداء أيضاً في ساحة العاصي. ومنذ أن بدأ القتلة يسفكون دم السوريين في ربيع سوريا العظيم, أعلن المغني في أناشيده مراراً : دم الشهداء مانو رخيص… دم الشهداء ما منخون !!.
  و دمك إذاً أيها المغني النبيل…؟؟! أيها الشاعر المقدام… أيها الصوت الذي صاغته ذاكرة وباصرة: ذاكرة تنوء بمقتلة الأهل في حماه منذ سنين الدم تلك… وباصرة ترصد حال الأهل في سوريا كلها الآن, في هذا الربيع الدامي. وبين الذاكرة والعين نهض صوتك الرجولي الوادع الطيب ليرجم القتلة الطغاة, ويضيء ليلَ ساحتنا البهية.
  في أسطورة استلهمها شاعر الأرض اليباب , أن الطاغية يقطع لسان الجميلة كي لا تستطيع الكلام عن الجريمة. لكن الآلهة حولت فيلوميلا الجميلة إلى عندليب تطلق إدانتها في كل مكان:
    
                      العندليب هناك… تملأ القفر جميعاً بصوت لا يُغتَصب !
                      وبقيت تصيح …
                      وبقي العالم يلاحق الصوت !!
 جسد المغني إبراهيم قاشوش يطفو على مياه النهر, دمه يؤرج بساتين العاصي. الحشد في الساحة ما نسي النشيد أبداً. و منذ الآن : نواعير العاصي تتكفل بنشر صدى صوته الرجولي الحر على المدى كله.


* كاتب وباحث من سوريا
.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

مقدمة:

الأديب يعشق الكلمات، والكلمات تعشق الوحدة.

والوحدة… لا تتزوج جيداً.

هذه حقيقة قديمة، مؤلمة، لا يجرؤ معظم الأدباء على البوح بها. لكن جروحهم مكتوبة بين سطور نصوصهم. وفي المجتمعات الشرقية، حيث الزواج قدسية والطلاق وصمة، يصمت الأديب أكثر. لكن نصه… لا يصمت أبداً.

الجزء الأول: الغرب – حيث صرخوا بألمهم

فرانز كافكا: العاشق الذي هرب من الحب

لم يتزوج…

بدعوة من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، نظّمت لجنة الأنشطة في الاتحاد ندوة أدبية وحفل توقيع للمجموعة القصصية الأولى للروائي الكردي عبدالسلام نعمان، بعنوان “زوجتي الأخيرة كانت عاهرة”، وذلك في قاعة الأنشطة التابعة لمنظمة كاريتاس بمدينة إيسن الألمانية، يوم الأحد 5 نيسان/أبريل 2026.

وشهدت الفعالية حضوراً لافتاً من…

صدرت حديثاً عن دار الزّمان بدمشق المجموعة الشّعرية الثّانية «أوراقٌ تقودُها الرّيح» للشاعرة السّورية ندوة يونس، وتقع في نحو 128 صفحة من القطع المتوسّط، بغلافٍ أنيق للوحة للفنانة التشكيلية د. سمر دريعي ومن تصميم الفنان جمال الأبطح. يُذكَر أنّها أصدرت مجموعتها الأولى «النّبض المرهق» سنة 2021م.
كتب مقدمة هذه المجموعة النّاقد صبري رسول بعنوان «مغامرة…

كردستان يوسف

أنا خبز الصباحات الجائعة
تأكلني الحروب كل فجر…
تفتتني أصابع الجوع
ويعجنني الدمع
في صحون الفقراء
قلبي…
كأنه عجين من حنين وملح
يختمر في دفءِ الأمهات
وينضج مثل صلاة
في صدر المساء

يا أيها الغارقون
في قداسة الجمعة…
وفي صلوات التراويح…
أَتخافون الله
وقلوبكم سكاكين؟
تقطعون أوردة النساء
وتحرقون القصائد
النائمة
في حقائب النازحات…

أنا امرأة…
حين خانها الجميع
بقيت
تغسل الليل
من عتمتكم
وتفسح المكان البهي
لراهبة
تسكن محراب ضفائري
تصلي…