طبول الضياع لـ (علي شيخو) اختناق في دخان اللا وعي

مسعود عكو

القصيدة عبق أريج، وقديماً تفوهوا ” إن الشعر، والشعر وحده هو الوثيقة التي تؤدي إلى الحقيقة، وهو المرجع الأوحد، والموثق للتعرف على مآل التقدم الشعوري، والإحساس بالوجود الحسي، وإدراك الأشياء.
 بمعنى أخر التقدم في كل جوانبه. الثقافة بملكياتها تلك الكلمة الممتلئة بأدوات كثيرة كالشعر, الموسيقى, الفن التشكيلي… الخ. “
أحاول بعد هذه المقدمة أن أدعوكم لإلقاء نظرة وإماطة اللئام عن ديوان شعري ربما لم يلق الاهتمام المستحق، والسبب طبعاً هو التراكم المضخم للأسماء الشعرية لدرجة أننا لم نعد نستطيع التفرقة بين الصالح منه، والطالح، والذي يستحق الحرق علناً.

لنتصفح معاً هذا الديوان الشعري، ولنلكم هذا المكان، والزمان الشعري الراهن المريض بالسرطان المزمن بكتاب شعري جميل لغوياً حالة الشعور الموهن المسيطر عليها حركة الكلمة القريبة للدغدغة الذاتية، ولنحمل الجرس لنستعرض معاً بستان الحبق، ونستطلع أحوال العدم.

الكتاب هو ديوان شعري مضمخ بالدم, الورد, والذكريات.
اسم الكتاب: طبول الضياع.
اسم الشاعر: علي شيخو.

ما أصعب تلك اللحظات لحظات الإستغراف في تدوين القصيدة والتي تشبه إلى حد ما تدوين السيرة الذاتية لكآبة الشاعر, وحزنه. لحظات الولادة, لحظات الإستغراف في التأمل العميق لما وراء الأشياء. رمي القاذورات إلى مجاميع السطور والتلصص.

أجواء المجموعة الشعرية يغلب عليها ألوان متعددة التعب, الخوف, الحب, الذكرى العنيفة, الضياع ” كما سمى المجموعة الشعرية “.

أستطيع القول حينما يقف الإنسان أمام قامة التاريخ يتوقف لحظة ليخرج من جيوب معطفه أوراق الدخول للتاريخ و”علي شيخو” يتناول مجموعته الشعرية من معطفه ليدخل التاريخ غير أن القراءة المتأنية معدومة في العصر المختنق بالمال حيث لا قيمة لشعور إنسان لدى آخر ولو كانت القراءة الحقيقية والمرجوة موجودة لكان الأمر بالعكس تماماً.

يقول في طبول الضياع ص /9/:

صلواتي تعلو
آذان السكون
يسافر الحلم على متن أجفانها
ليسرق زهرة.
والربيع يجمع شتاته
من على أغصان الوقت الثمل
وأنا أتكور في مسافات القهر
أحمل سلاسل الهزيمة
أقرع طبول الضياع.
والشمس تشيعني…

هكذا دون ليبين لنا ضياعه وشتاته ربما يكون ضياعه شعورياً أو ضياعاً يبحث فيه عن حكمةٍ ما – الضياع الذاتي – في خضم المشاجرات الشعورية وحتى البدنية بين الأجناس البشرية ليثبت ذاته النرجسية على حساب إنسانٍ, شاعرٍ يحس حتى بالأشياء الجامدة ويقول أيضاً في طبول الضياع ص /13/:

لتنام عصور الكلام.
وأنا…
أنا في سطور الورق مسافر
أركب موجات الفكر العقيمة
أقتل صمتاً يحبو نحوي…
وأضمد جرحى حروب الظلام.
تتيه خطاي
على دروب الشك
أتعثر بحجارة التحدي…
أقاوم شظايا الركام

وكأنه يخرج ويكشف لنا إرهاقه في سطور الورق ويتمثل بمسافر ولفظة المسافر هي دليل لغوي ترتبط فكرياً ومن ناحية التأويل بالتعب فهو يجتهد ويتأوه حتى في لحظات الفكر الذي عبر عن أنها عقيمة وأبداً يحاول اغتيال الملل والصمت ربما حوله أو حتى ضمن قصيدته التي تأتي بعفوية تنم عن عواطف جياشة أو ضمن عزلته وكهنوته على الضفة الأخرى من الكون.

لا مناص إن أبلغ القصائد وأجملها على الإطلاق هي تلك الحاملة لتأويلات متعددة وهذه السمة تنطبق على قصائد “علي شيخو” تارة تفكر بأن القصيدة التي تقرأها هي عن فتاةٍ ما رآها في موقف الباص ثم لتتحول بطريقة سحرية لا تخرج عن إطار الموضوع أو تشكل شذوذاً ضمن مسار القصيدة تتحول تلك الفتاة إلى الوطن أو حتى إلى نافذة معتمة.

تقرأ القصائد وكأنك تلمح أشجاراً أحياناً ترنوه ظاهراً لك بعريه الشعري التام وأحياناً تجهد ذاتك الفكرية لتبحث عنه فيتولد السؤال تلو الأخر بشكل تلقائي ترى هل هو مختبئ خلف أحد الأشجار – القصائد – أو يا ترى إنه غائب مع الغمامات في الفضاء الربيعي الفاره.

“علي شيخو” لم ينسى الأنثى تلك التي هي الملهمة والتي تهيئ الأجواء للتمرد على كل شيء حتى على الذات في آنٍ معاً الأنثى ذاك التناقض المرير والمروع.

فبدون الأنثى لا تكون القصيدة إلا خواء لاحظوا كلمة قصيدة هي أنثى من قمة رأسها حتى أخمص قدميها فيقول في قصيدة هل تذكرين؟ ص /46/:

هل تذكرين الموعد؟
أم مات غرقاً
في طوفان الأسئلة.

وفي مكان أخر وقصيدة ردك ص/44/

ردك يشير ألف تساؤل
وتساؤل
لكل تساؤل قضية..
ولكل قضية
ألف ديوان شعر
وعلى كل صفحة..
يموت ألف عاشق وعاشق.

ناهيك عن الحس الذي تحمله قصائده التي كتبها للأنثى فهي أيضاً لا تخلو من الحزن الغائب وراء الزمن المبتور حيث يقول في قصيدة ديوان وجدي ص /45/:

كلما أتذكرك
أكتب قصيدة.
وعندما أراك
أكتب ديوان وجدي
وحين الفراق
أحمل نعش أحلامي.
 
أود أن أذكر القارئ أنه بقدر ما نجح علي شيخو في تخطيط اسمه بين الشعراء فقد حظي بنفس النجاح في رسومه للغلاف واللوحات داخل الديوان.

إن تجربة علي شيخو هي تجربة تتأرجح بين إيقاعات عديدة مع أنها متناقضة إلا أن هذا التناقض هو شعري بامتياز فلولا التناقض لما ولدت قصائد علي شيخو التي تجمع بين دفاتها عناصر جميلة ومدروسة: الملل, التعب, اليأس, والحب…. وأشياء أخرى أكثر جمالاً نجح في صياغتها بلغته الشعرية المتميزة.

فقد يكون هذا الديوان ” طبول الضياع ” لم يلق من ينجيه من حالة التيه الشعري الضائع في زماننا المهدور وقد يكون شاعرنا علي شيخو فاقداً للوهلة الأولى تلك الدعاية الشعرية اللازمة لنجاح تجربة قصائدية شعرية لكن وبدون أية مبالغة ينتظر علي شيخو زمناً شعرياً يستطيع أن ينافس فيه الكثير من هؤلاء الذين درجت أسمائهم على لوائح الشعراء المتميزين وقصائده ستستمر في العطاء لتكون مع مثيلاتها منهلاً للقادمين.

“علي شيخو” وجع دائم ومحرض على الإبداع وسيبقى كما قال في إحدى قصائده سيبقى وسيضمد جروح الظلام.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…