ديرك في منقارِ البطّة وحيثُ الصّمتُ يحتضرُ (القسم الثّاني والأخير)

نارين عمر
narinomer76@gmail.com

(ديريك, ديرك, ديركا حمكو: Dêrika Hemko), بالنّسبةِ إلى تسمية المدينة بهذا الاسم أكّدَ لي البعضُ ومنهم المرحوم (عزالدّين قاسم) من قرية (كلْهى: Kelhê) على أنّ الاسم مشتقّ من كلمة (دُريك: du rêk أو(di rêk التي تعني في الّلغةِ الكرديّة (الطّريقان أو الطّريقين), كونها كانت تقع بين طريقي قامشلي وعين ديور, حيث كانت الأخيرة هي المركز والقضاء. كما أكّدوا على أنّ في إرجاع بعضهم التّسميّة إلى دير العذراء (كنيسة العذراء) خطأ كبير, لأنّ الدّير شُيّدَ بعد تشييدِ المدينة. بهذا المعنى يكون اسم (ديريك: Dirêk) كتابة ولفظاً أصحّ من لفظة (ديرك) التي يرونها تصغيراً من الدّير. كما أنّ هناك تفسيرات أخرى لاسم المدينة قد نعودُ إليها في مناسبةٍ أخرى.
 في قصيدة (لاليه…نشوة الماضي), تساءل الأخ الكاتب عن (أمينة وأمّ سيامند), أمينة هي هذه المرأة الخرساء والطّرشاء زوجة المرحوم (أوسمانى نازى), وهي أمّ لثلاثةِ أولاد, هم (سيامند ونهاد ويلدز), وقد ألهمتني رؤيتها المتكرّرة بهذه القصيدة, لأنّها تذكّرني بطفولتي وبحارتنا وجيراننا وطيبة المدينة وأهلها والودّ الذي كان يزهر نفسهم وقلبهم لبعضهم البعض. كانت تزورنا كلّ يوم, تحبّ والديّ كثيراً, وكلّما ترى شخصاً من أفرادِ عائلتنا تقبّلنا, وترفع يديها إلى السّماء تترحّم على والدينا وتومئ إلى طيبتهما وتعاملهما الحسن معها. كنّا نفهمُ عليها بلغتها الخاصّة (لغة الإيماءِ والإشارةِ), وأشرت إلى ذلك بالقول: ((…نعم, أعي ما تقولين..الإيماء؟ أنتِ ملكة الإيماء…أمام صمْتكِ تخشعُ ومضاتُ النّطقِ والتّصوير…)). ممّا تحفظه الذّاكرة عنها أنّها كانت تساعدُ أمّي في صنع خبزِ الصّاج وفي تحميص حمّص العيد, كما تساعدُ نساء أخريات, وأحببتُ أن أذكر من خلالها معظم الشّخصيّاتِ المسكينة والبائسة التي كانت تعيشُ في ديريك, مثل السّيّدة (رحيمة أم مراد) التي كانت عاجزة على المسير والمشي إلا بالعكّازة, ويُقال إنّها أصيبت بالشّلل والعجز في الأيّام التي تلت إنجابها لولدها والتي تسمّى أيّام الأربعين, والسّيدة (قمْريّة) وكانوا ينادونها (قمو دينى أي قمو المجنونة) ويُقال إنّها لم تكن مجنونة ولكنّ زوجها كان قد ضربها بقسوةٍ على رأسها ما أدّى إلى اختلال في جهازها العصبيّ, ثمّ تركها للزّمن يمارسُ عليها وبالتّضامن معه قسوته وجبروته. و(كرى) أي (الطّرشاء) كانت امرأة وحيدة لم نكن نعرف عنها شيئاً, كانت صارمة ربّما لتدفعَ عنها نزق المشاغبين. كنّا نشتري منها الزّبيب والبزر اللذين كانا يعّدان مصدر رزقها بالإضافةِ إلى ما يتصدّقُ عليها الآخرون. أمّا السّيّد (درويش أوسمان عيسى), والذي كان يُدعى (درو دينو: درو المجنون), فكان شخصاً مثاليّاً في كلّ شيء, فعلى الرّغم من وضعه البائس كان يعملُ بجدّ ونشاطٍ, ويكسبُ لقمة عيشه, ويساهمُ في إعالةِ أهله, وأودّ أن أوضّحَ للأحبّة الأعزاءِ ولأهل درويش أنّني لم أقصد الإساءة إليه ولا إلى العائلة أبداً عندما ذكرته في القصيدة, وتحدّثتُ عنه بالقول:

((درو دينو…درويش, مَنْ يترنّحُ في محرابِ الجدّ…فليتفضّل)), بمعنى أنّه كان يتمتّعُ بالحكمةِ والعقلِ أكثر من أناسٍ كثيرين, والشّخص الذي يريد أن ينافسه في ذلك فليتفضّل ويجرّب حظّه. كان يقضي معظم أوقاتِ عمله لدى عائلة المرحوم (حسّو عبد الغني أبو سعيد حسّو). المرحوم (ملك) وكان ينتمي إلى الأخوة المسيحيّين, ويعملُ أحياناً لصالح سينما عائلة إيليّا حيثُ كان يجرّ عربة خشبيّة تحملُ عرضاً سينمائيّاً لفيلمٍ جديدٍ يُعرَض, ويسيرُ بها في شوارع ديرك, فكنّا –نحن الأطفال- نسيرُ معه إلى أن ينتهي من عرضه. 
في قصيدة (فضاء العشق) يتساءلُ الأخ الكاتب (محمد قاسم): ((ولا ادري كيف تقحم الشاعرة اسم “قاضي محمد” في نص يغلب فيه الغزل والحب))؟! ثّمّ يستدرك ذلك بالقول:
((ولكن الذي استوحيت من ذلك هو أن “قدسية قاضي محمد لملكة حسه مهاباد” تعبير عن حب في ظل النضال والمشنقة التي عُلِّق عليها القاضي الجليل والشجاع ، والذي استقبل الموت شنقا بشموخ شهد له به التاريخ)). نعم, هذا ما قصدته تماماً, فهو القائد والرّئيس الذي استقبل الموت بشموخ وكبرياء تعبيراً عن حبّه اللامتناهي لمهاباد ولشعبه وانتصاراً لقضيّته. أوّلا يُعْتَبَرُ الشّهيد عاشقاً والوطن هو المعشوق؟ ثمّّّ يطرحُ تساؤلاً آخرَ يتعلّق بالفنّانة الكرديّة (مريم خان)*: ((لكن كيف ربط بينها وبين “الأمير البدرخاني” فلا أعلم عن ذلك شيئاً)). ربطتُ بينها وبين الأمير البدرخانيّ لأنّني سمعتُ من بعض المصادر أنّها حين دخلتْ الأراضي السّوريّة وسكنتْ دمشق الشّام, تعرّفتْ هناك إلى أميرٍ بدرخانيّ, توطّدتْ بينهما فيما بعد علاقة حبّ وعشق تكلّلت بالزّواج, ولكنّ زواجهما لم يدم طويلاً حيث انتهى بالطّلاق,بسبب معارضةٍ قويّةٍ واجهاها, ما جعلها تتوجّه إلى منطقة الجزيرة إلى ديريك ثمّ إلى عين ديور, لتتوجّه فيما بعد إلى العراق وتترأس القسم الكرديّ في إذاعة وراديو بغداد ويُذاع صيتها. يُقال إنّها ونتيجة فراقها لزوجها وحبيبها صارت فريسة للهموم والأحزان واليأس أيضاً, ما أدّى إلى إصابتها بمرضٍ ألمّ بها ثمّ رحيلها الأبديّ في عام (1948) وهي في الرّابعة والأربعين من العمر.
 (قصيدة حكاية مفرداتك), القبّة أو قبّة الإمام علي بن أبي طالب كما تسمّى, حين كنّا صغاراً كنّا نعتقدُ أنّها تضمّ ضريحَ الإمام, وبعد سنوات قيل لنا إنّ الإمام مرّ من هنا فبنيت القبّة تكريماً لمقامه, ثمّ قيل إنّ بعض مشيخة البلد بنوها ليشدّوا النّاسَ إليها وإلى الدّين الإسلامي. الملفت في الموضوع أنّني سمعتُ من بعض الأخوة المسيحيين أنّ القبّة كانت مقاماً لقدّيسٍ مسيحيّ اسمه “جرجس” وكانوا يقصدونه كمزارٍ لهم إلا أنّ المسلمين نسبوها إليهم بعد أن أضفوا عليها الصّبغة الإسلاميّة. المسلمون وغيرهم من الطّوائف الأخرى من الرّجال والنّساء يتوافدون إليها بالآلافِ كلّ عام وخاصّة في فصلِ الرّبيع. والكثير منهم يقيمون الذّبائح في باحتها أو في الأراضي المحيطة بها كأضحية وقرابين على النّذور التي يتندّرون بها. يمكن الوصول إليها من طريقين, طريق قرية (عين بازوق), وطريق قرية (تل دار). أبرز ما يلاحظه الوافد الجديد إليها قطع القماش الكبيرة ذات الّلون الأخضر التي تغطّي الهيكل الموجود على شكل قبر, وهي ترمز إلى فترةِ الخلفاءِ الرّاشدين على ما أعتقد, ولكنّ النّاسَ يرون فيها دلالة على راية الإمام وشفاعة منه لهم, وما يزالُ الزّائرون يقطعون قطعَ قماشٍ صغيرةٍ منها يلفون بها معصمهم, أو يعلّقون حول عنقهم. الأمرُ الآخر يكمنُ في الأشجار المزروعة في باحتها والمزدانة بقطع قماش صغيرة وخيوطٍ وأحياناً أكياسَ نايلون, وكلها مربوطة بعقدةٍ أو أكثر, قبل أن يقومَ الزّائرُ بعمليّةِ الرّبطِ عليه أن يبيت نيّة في قلبه ثمّ يبدأ بربطِ العقد, وأحياناً يفكّون العقد المربوطة ويعيدون عقدها من جديد يقيناً منهم أنّهم سيفكّون عقدة مَنْ عقدها قبله, وأحياناً يربطونها حول النّوافذ المحيطة بغرفة الهيكل. أمّا الأمر الثّالث وكما كانوا يفعلون على حائط كنيسة العذراء يأتون بحجر من فخّار ويفركونها على الجدار, إذا لصق الحجر بالجدار فهذا دليلٌ على قبول الله لنيّتهم, الأمرُ الرّابع أنّ  النّساء والفتيات سابقاً كنّ يذهبن إليها ويزرنها وهنّ حافياتٍ بعد أن يكنّ قد نوينَ على القيام بأعمالٍ أو رغبن في تحقيقِ أمنيةٍ أو هدفٍ ما.

 

ملاحظات لا بدّ منها:
1-الأخ الكاتب محمد قاسم وقفَ عند قصائدَ أخرى في المجموعة, وأسبغَ عليها صبغة الشّرح والتّفسير بشكل كافٍ, لذلك آثرتُ عدم الوقوف عليها أو الحديث عنها, مثل: (والأذنُ تعشقُ, وقت الصّلاة, لغز المسافتين, مناجاة….وغيرها).
2- ولدت مريم خان في 1904م, وقد خصّصتُ لها الحلقة الأولى من حلقاتِ سلسلة (الفنّانات الكرديّات شموع تضيء لتنير دروبَ الفنّ الكرديّ). بالنّسبةِ إلى الخبر المتعلّق بقصّةِ حبّها وزواجها من أميرٍ بدرخانيّ, تضاربت
المصادر حول صحّة الخبر أو عدم صحّته, وما أزالُ أبحثُ عن الرّواية الصّحيحة منهما.
3- قصيدة (في سكرةِ نبض ديرك) كتبتها في ربيع عام ألفٍ وتسعمائة وخمسة وتسعين (1995) أثناء تجوالي في أماكنَ عدّة من مدينتنا الرّائعة ديريك, أسعدُ النّظرَ بمباهجها ومعالمها, أسترجع الأيّام والّليالي التي أمضيتها مع رفاق ورفيقات الطّفولة,  وحين مروري ببيتنا الأوّل الذي ولدتُ فيه وجدتني ألهو معهم من جديدٍ, وألعبُ لعبة  (الغميضة: Pîpîkê, والمارشو والمستريح وصندوق زيرى زام َيْزو: Sindoq zêrê za meyzo …), وأبني معهم (خانيجوك) , والكلمة تصغير لمفردة (خاني: Xanî) والتي تعني بالكرديّة البيت وبيتان شعريّان للشاعرٍ العربيّ (أبو تمّام) يستحضراني في تلك الّلحظات, وفي كلّ لحظةٍ ألمحُ فيها دارنا القديمة:
-نقّلْ فؤادك حيثُ شئت من الهــــوى       ما الحبّ إلا للحبيبِ الأوّلِ
-كم من منزلٍ في الأرضِ يألفه الفتى      وحنينُه أبــداً لأوّلِ منـــزلِ
كلّما أمرّ بمكان أو شارع يدفعني الشّوق والحنين إلى أخرى, فخطرت في بالي فكرة الكتابة حول كلّ ما رأيتُ وشاهدتُ, وما استرجعتُ من طيبِ الأيّام فكتبتُ الأفكار الرّئيسة منها في أثناء المسير, وعندما عدتُ إلى البيتِ كانت الفكرة قد اكتملت, ولكنّني ونتيجة تنقّلنا المستمرّ من دارٍ إلى أخرى فقدتها مع دفتري المحتوي على أوراقٍ أخرى, وفي عام (2004) وجدتها, فصرتُ أنتشي طرباً ومسرّةً لأنّها تتعلّقُ بذكرياتي مع ديرك التي أرى فيها الحياة بكلّ مباهجها ومفاتنها حتّى في الّلحظاتِ التي تغدر بي  فيها, وبتّ أنشدُ على أوتار عشقي لديرك وأهل ديرك مع (ملاى جزيري: (Melayê Cizîrî) :
-نَوايَا مُطْرِبُ وچنگى فَِغانْ آڤِيتَهْ خَرْچنْكى   
                                  وَرَهْ سَاقى حَتَا كنْگى نَشُويينْ دِلْ ژِڤى ژَنْكى
حَيَاتا دِلْ مَيَا باقي بِنُوشِينْ دَا بِمُشْتَاقى
                            ألا يا أيُّها السّاقي أدِرْ كأساً وناوِلْها
 أرّختها بعام (2004), تيمّناً ببركةِ هذا العام, بمعنى أنّ القصيدة لم تُكتَب في عام (2008) تاريخ نشر المجموعة كما اعتقدَ البعضُ, ولا في عام (2006) أو ما بعده كما ظنّ البعضُ الآخر.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…