تلك الغابة

رستم محمود
كما أغلب الذين استخدموا برنامج (google earth) للتصفح الجغرافي للمرة الأولى، فقد ذهبت لتقصي واكتشاف مدينتي . ولا أعرف بالضبط، لماذا تقصدت التركيز على معرفة تفاصيل تلك البقعة الخضراء، وسط السهب البني الممتد لعمران المدنية . ففي البرنامج، حيث يمكن التحكم بأبعاد مشاهدة المدينة من الأعلى، كانت تلك البقعة الخضراء المشجرة، تبدو واضحة متمايزة وسط ركام باقي تفاصيل المدينة . ربما أردت التعرف على تفصيل ذلك المكان من الأعلى، وبشكل آمن في العالم الافتراضي، فلسنوات طويلة، كانت الخشية والرهبة تملؤنا حتى لمجرد الاقتراب منها أو تفحصها بالشكل العياني المادي المباشر، بالرغم من وقوعها وسط المدينة بالضبط . فتلك الغابة، التي كانت تسمى “تجمع الفروع الأمنية” كانت دوماً تبدو كمكان مسحور بالنسبة لنا، نحن أهل المدينة . كانت بالضبط، مكاناً يُخشى اقترابه .
من الأعلى، كان المكان يبدو شبيها بالصور المنقولة عنه، في روايات الذين دخلوه مرات كثيرات عنوة . فراغ مشجر، مترام على عشرات الأبنية المتداخلة والمتراكبة، حيث لا ظهر لأي منها، فكل بناء يشكل ظهراً لبناء أخرى (خشية مبطنة تظهر في لاوعي العمران) . حيث تشكل مجتمعة عدد من الفروع الأمنية . وكان جلياً وقوعها وسط المدنية بالضبط، وعلى تلتها الأعلى .
لا شك بأن تلك الخصوصية العمرانية، مرفقة بالخشية العميقة من الاقتراب، لم تكن خاصية فريدة بسكان مديني وغابتهم تلك . فالأكيد، أنه على امتداد الوطن السوري، كان ثمة مثل ذلك المكان وتلك العلاقة . ففي كل بلدة ومدينة، كان ذلك المكان المسحور، كتعبير رمزي وحضور مادي كأداة للسلطة وممارساتها . حيث حفر المكان، وبالتراكم، عميقا في ذاكرة المواطنين، عذابات وحكايات متنوعة، جعلت منه مصدراً مؤسساً لعلاقة ووعي هؤلاء المواطنين لعموم مكان سكنهم .
مقابل رهبته تلك، كان المكان ذلك بدوره يبدو خائفاً، ملتفاً حول نفسه ومتمركزاً على تلة عالية من المدينة، محصن بحراسات شديدة ومنوعة، فالحواجز ومسلحون كانوا يغطونه بشكل كامل ودائم، ومن فوقهم وإلى جنباتهم، وفي كل ركن مما كان يظهر من تلك الغابة، كانت صور “القائد” وشعارات النظام منشورة بطريقة كثيفة . فمهما قيل، عن رغبة نشر الرهبة والجبروت في ذوات العابرين، من وراء نشر تلك الأشكال المسلحة والشعارات والصور، فإنها في العمق كان تخفي وجلاً عميقاً من الساكنين داخل تلك “الغابات” من قِبل المارين خارجها، وجل كان يراد أن يسطر عليه عبر تلك المظاهر والاحتياطات المرصودة والمغلفة للمكان .
في مرحلة قادمة من تاريخ بلادنا المنظور، ستتحول تلك الأماكن إلى تراث بصري ومادي حاضر في ذاكرة وواقع كل المدن والبلدات وساكنيها . ويبدو السؤال الصعب : كيف لنا أن نعيد تأسيس وتشكيل معاني وأدوار ذلك المكان ؟! بشكل يعيد بعض الاعتبار لعشرات الآلاف من ضحاياه الماديين والرمزيين .
في حالتنا السورية، ثمة شيء من الخصوصية فيما يخص هذا الشأن . فالموضوع ربما يتجاوز تجارب بعض الدول التي حولت الكثير من السجون ومراكز الاعتقال إلى متاحف بصرية للذاكرة، في مراحل ما بعد الاستبداد . فحجم “العمران الاستبدادي” في تلك الدول لم يكن يتجاوز بضع عشرات من السجون والأقبية ومراكز الاعتقال، في العواصم والمدن الكبرى، كما في التجارب الأفريقية والجنوب أمريكية . فبنية الاستبداد في تلك المنظومات كانت عسكرية بحتة، تبتغي الحكم والقمع، لا السيطرة التامة على المجتمع من خلال أجهزة أمني ضخم ومنتشر بكثافة وعمق في كافة البقاع والتفاصيل من البلاد، كما في الحالة السورية . يضاف لذلك، أن التراث الأمني السوري، يمكن أن يصنف كتراث استبدادي ممتد، غير آني . فمدته باتت تقارب النصف قرن (الأطول على الأطلاق في التاريخ السياسي الحديث لمنطقتنا) . فتراث عمراني بهذه الخصائص، يفيض عن مجرد الرغبة بتحويله لمتاحف ورمزيات لحفظ الذاكرة، طبعا لا مانع من أن يتحول بجزء منه إلى ذلك، لكن الأكيد، أنه يجب أن يعطي إنتاجاً ودرواً يفوق ذلك .
ستكون طبيعة ذلك الإنتاجية رهينة بطبيعة الروح والعقلية السورية التي ستلي المرحلة الاستبدادية، وربما تكون تلك الإنتاجية وذلك الاستخدام لعمران “الغابات الأمنية” في سورية الجديدة، برهانا وكشفا لطبيعة تلك الروح السورية ومسارها .
يقال ذلك وفي البال مثلا : ماذا لو تحول كل ذلك العمران الأمني إلى مراكز بحثية وتعليمية جامعية، وهو الذي يقع وسط المدن وشيد بالطريقة الأنسب لراحة المشرفين عليه ؟ .. أو: ماذا لو تحول جزء كبير منه إلى محميات ومنتزهات وحدائق طبيعية للترويح عن النفس لسكان المدن وأطفالهم ؟ … أو: ماذا لو تحول جزء كبير منها إلى مراكز للحماية الاجتماعية بالنسبة للحلقات الأضعف من المجتمع السوري، مثل العجائز والأطفال المشردين وضحايا العنف الأسري والمجتمعي ؟ ماذا لو تحولت تلك الأمكنة بجزء منها إلى مدن إعلامية وأماكن مفتوحة للحوار ؟
كان الاستبداد متضخما في بلادنا، حتى أن عمرانه يكفي الكثير من الأشياء سوية . سيكون السوريون أصحاء، بقدر قدرتهم على تغير معاني وإنتاجية تلك التركة الضخمة من “تراث عمران الرهبة” .
عن موقع صباح سوريا 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن رواية “جريمتان في إسطنبول” للكاتبة السورية آلاء عامر، وهي رواية تسير على تخوم التراجيديا النفسية والواقعية الاجتماعية، مقدّمةً سرداً متماسكاً ومركباً لحياة لاجئة سورية في إسطنبول تُدعى “ياسمين”، تقودها المصادفة إلى التورّط في جريمة قتل رمزية ووجودية في آنٍ معاً.

تكشف آلاء عامر بأسلوب مشهدي شفاف وأنيق عن حكاية “ياسمين” التي…

ابراهيم البليهي

 

من يقرأ تاريخ العلوم سوف يقابله جيمس جول وسوف يتكرر اسمه كثيرا في كل حديث عن الطاقة والحرارة والانتروبيا وحفظ الطاقة وعن قضايا فيزيائية كبرى وأساسية في العلم لكن الشيء الذي قد يغيب هو إدراك أن هذا الرائد العلمي هو عالم عصامي لم يتخرج من أية جامعة لكنه كان مسكونًا بالرغبة العارمة بالعلم فقد أنجز…

مصدق عاشور

 

إنها حروف

إنها وقع أماني

فهل يدركني زماني

إنها وصلت غناء

أضاعت حروفها

وأضاعت الأغاني

رجاء

إنها سفينة تحلق

بزرقة الوجود

فهل نرسم الأماني

أم نحلق بالروح

أم نحلق بالسجد

ياسمينة

ترسم الروح

وتشفي الجسد

فلا وقت للحسد

رجاء

ماالذي غيرني

ماالذي عذبني

فهل تدركني الروح

في الأغاني

ومزج الصور

رجاء

إيقونة روحي

تعلق جسدي بالدموع

إنها سر الحزن

بين الضلوع

بين مراسي الحنين

يشق يمزق جسدي

سيوف الحاقدين

لن أعرف الحزن يابشر

تعطلت المراسي

تعطلت البحار

لكني روح

أختار ما أختار

فكو عني السلاسل

روحي وجسدي

أيقونة ياسمين

أيقونة حنين

ا. د. قاسم المندلاوي

 

الفنان الراحل (صابر كوردستاني) واسمه الكامل “صابر محمد احمد كوردستاني” ولد سنة 1955 في مدينة كركوك منذ الصغر فقد عينيه واصبح ضريرا .. ولكن الله خالقنا العظيم وهبه صوتا جميلا وقدرة مميزة في الموسيقى والغناء ” فلكلور كوردي “، و اصبح معروفا في عموم كوردستان .. ومنذ بداية السبعينيات القرن الماضي…