المجتمع الكردي و بعض الخرافات الصحية الشائعة

الدكتور محمد شفيق ابراهيم

من المعلوم أن المجتمع الكردي قد أصبح له قرونا تحت حكم الأجنبي، بدءا من دخوله الى الاسلام والى يومنا هذا، ولا شك أنه كانت هناك فترات من الادارة الذاتية للمجتمع الكردي لنفسه، على شكل امارات كردية، أو دويلات صغيرة متفرقة هنا وهناك، وذلك حسب الفترة التي عاشها الشعب الكردي تحت حكم الاجنبي ، ونوعية ذلك الأجنبي ، ففي فترات الاسلام الأولى كان حال الشعب الكردي كحال كل الشعوب الاسلامية الأخرى من حيث التقيد بالقوانين الدينية وتنظيم حياة المجتمع الكردي على ذلك الأساس، وبمجرد فتح بلاد الكرد من قبل الجيوش الاسلامية، تم القضاء على الكثير من الكنوز الثقافية للشعب الكردي باعتبارها من التراث الكفاري، حسب رؤية الفاتحين الاسلاميين ،
وتم حرق الكثير من الكتب الدينية والفلسفية، والقضاء على الكثير من العادات الأصيلة ، وكذلك القيم التي كان الشعب الكردي ينظم حياته على أساسها، ودخلت الى ثقافة الشعب الكردي الكثير من ثقافات الشعوب الأخرى التي دخلت الاسلام، وبدوره الشعب الكردي ترك أثره على ثقافات تلك الشعوب ، وما نحن بصدده الآن هو الكثير من المفاهيم الصحية التي دخلت الى ثقافة الشعب الكردي من الناحية الصحية ومعالجة الأمراض بطريقة تعتمد على الفلسفة الدينية الاسلامية وبشكل مشوه أيضا من قبل رجال الدين، وحتى الديانات الأخرى تركت آثارها أيضا مثل الديانة المسيحية واليهودية ،حيث كان ولا يزال هناك من أتباع هذه الديانات من الكرد، ومن بعض هذه الممارسات الصحية الخاطئة مثلا، ترك المريض يصارع المرض ووضعه في ذمة الله بقراءة بعض صور القرآن الكريم عليه فقط من دون السعي لمعالجته ، أو الاعتقاد بان بعض الأمراض ومعالجتها هي من اختصاص الفلان من الأسياد (السيد هو كل من يصل بنسبه الى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام)، والكثيرون من البسطاء يؤمنون بقدرة هؤلاء على التشفع عند الله من أجل شفاء مريض ما، أو من أجل أن تنجب أحدا من النسوة من اللاتي لا تنجبن، وهكذا يفوضون أمر مرضهم الى هؤلاء الأسياد أو الشيوخ من دون الاستناد الى أي نص ديني في هذا الموضوع، بل الرسول نفسه كان دائما يشدد على أنه لا يجوز التضرع وطلب المعونة الا من الله وحده وكان يعتبر مخالفة هذا الأمر نوعا من الشرك بالله تعالى (والعياذ بالله)، وللكننا في مجتمعنا الكردي لا زلنا نتبرك حتى الى قبر لا يعرف احدا صاحبه الحقيقي، أو حتى نتبرك الى مكان يقال أن أحدا من الأسياد أو الشيوخ أو الصالحين قد مر فيه، ومن هذه الخرافات أيضا معالجة الرضيع المصاب باليرقان عند أحد الشيوخ أو فلان من الأسياد أيضا، علما أن  يرقان الوليد هو شيء طبيعي ويظهر عند حوالي 60% من المواليد الجدد في الاسبوع الأول من المرض ، و يبقى اللون الاصفر للرضيع ضمن الحدود المقبولة لمدة اسبوع ثم يختفي، واذا تطاول أكثر أو أصبح بدرجة شديدة يجب عندها مراجعة طبيب الأطفال، لأنه عندها قد يشكل ذلك خطرا حقيقيا على الرضيع وصحته العقلية والجسدية، والطبيب وحده يستطيع تحديد السبب المرضي لليرقان هذا، وليس لشيخ الدين أو السيد أو فلان من الناس الغير مؤهلين طبيا قدرة على معالجة ذلك الصفار ،و أيضا يمكن في هذا المجال ذكر المرض الجلدي المنتشر ويسمى بالأكزيما، حيث يزمن المرض ويلجأ المصاب الى هذا الشخص أو ذاك ليطبق ما هب ودب من المساحيق أو المنتجات التي يصنعها هو بنفسه بعيدا عن المعايير العلمية و الطبية، فيؤذي المريض أكثر فأكثر ،علما بأن هذا المرض هو من الأمراض الجلدية التي تلعب الوراثة دوره في ظهورها ، و لا يمكن الشفاء الكلي منه بتاتا، بل يجب معالجته عند تفاقم الحالة ،وهذا من اختصاص طبيب الجلدية وليس الشيح الفلاني أو الشخص الفلاني، وهناك الكثير من أمراض المفاصل والتي تصيب الركب أو الظهر والكثير منها سببها معروف، ويمكن معالجتها بنجاح وليس عبر طرق الشعوذة من قبل أشخاص أميين طبيا على الاقل .
والجدير بالذكر أن هذه الخرافات الصحية الشائعة منتشرة بين أبناء الشعب الكردي، كون الشعب الكردي لا يزال يفتك به التخلف الاقتصادي والاجتماعي وحتى السياسي، والذي شجع ذلك كان من يتحكم بمصيره من الأجانب عبر مئات السنين، لبقائه بعيدا عن مفاهيم العلم، وإبقاءه في حالة تخلف يسهل معها السيطرة عليه وامتصاص خيرات بلاده،  وادعوا المثقفين الكرد للعب دورهم في تنوير العقل الكردي، وتحريره من الخرافات والأوهام التي ذرعت فيه من قبل الأعداء ، لنتمكن من بناء مجتمع معافى عقليا ،ومتى ما تحرر العقل يتحرر الإنسان من سطوة الأفكار البالية، و ينطلق ليبني المجتمع المزدهر من كافة النواحي.

28/5/2012

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

مقدمة:

الأديب يعشق الكلمات، والكلمات تعشق الوحدة.

والوحدة… لا تتزوج جيداً.

هذه حقيقة قديمة، مؤلمة، لا يجرؤ معظم الأدباء على البوح بها. لكن جروحهم مكتوبة بين سطور نصوصهم. وفي المجتمعات الشرقية، حيث الزواج قدسية والطلاق وصمة، يصمت الأديب أكثر. لكن نصه… لا يصمت أبداً.

الجزء الأول: الغرب – حيث صرخوا بألمهم

فرانز كافكا: العاشق الذي هرب من الحب

لم يتزوج…

بدعوة من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، نظّمت لجنة الأنشطة في الاتحاد ندوة أدبية وحفل توقيع للمجموعة القصصية الأولى للروائي الكردي عبدالسلام نعمان، بعنوان “زوجتي الأخيرة كانت عاهرة”، وذلك في قاعة الأنشطة التابعة لمنظمة كاريتاس بمدينة إيسن الألمانية، يوم الأحد 5 نيسان/أبريل 2026.

وشهدت الفعالية حضوراً لافتاً من…

صدرت حديثاً عن دار الزّمان بدمشق المجموعة الشّعرية الثّانية «أوراقٌ تقودُها الرّيح» للشاعرة السّورية ندوة يونس، وتقع في نحو 128 صفحة من القطع المتوسّط، بغلافٍ أنيق للوحة للفنانة التشكيلية د. سمر دريعي ومن تصميم الفنان جمال الأبطح. يُذكَر أنّها أصدرت مجموعتها الأولى «النّبض المرهق» سنة 2021م.
كتب مقدمة هذه المجموعة النّاقد صبري رسول بعنوان «مغامرة…

كردستان يوسف

أنا خبز الصباحات الجائعة
تأكلني الحروب كل فجر…
تفتتني أصابع الجوع
ويعجنني الدمع
في صحون الفقراء
قلبي…
كأنه عجين من حنين وملح
يختمر في دفءِ الأمهات
وينضج مثل صلاة
في صدر المساء

يا أيها الغارقون
في قداسة الجمعة…
وفي صلوات التراويح…
أَتخافون الله
وقلوبكم سكاكين؟
تقطعون أوردة النساء
وتحرقون القصائد
النائمة
في حقائب النازحات…

أنا امرأة…
حين خانها الجميع
بقيت
تغسل الليل
من عتمتكم
وتفسح المكان البهي
لراهبة
تسكن محراب ضفائري
تصلي…