الفكر في الكتابة الكردية

لهي أوسو

الكرد كسائر الشعوب العالم بتكوينه الذهني وتطوره الطبيعي يتأثر بكل ما من حوله العلم والمعرفة و الفلسفة والكتابة التي بها انتقل العالم إلى مرحلة ما بعد التاريخ .
فالحضارة الكردية كمثيلاتها عاشتْ كل تفاصيل الحياة ، وأثبتتْ وجودها فيها على مرّ العصور والأزمنة المتعاقبة ، لتمر في كل الأزمنة والأزمنة وتحتضن في جعبتها معطيات و مستحقات ملونة بألوان قابلة للتجديد ، ولتجعلها مندمجة مع روح المتلقي .
كما أن اللغة الكردية بعراقتها وأصالتها يمكن تسميتها بلغة الإبداع بغض النظر عن باقي الجوانب الأخرى ، التي تمنحها القوة والوسع من حيث المصطلحات ومن حيث الانتشار.
فالكرد بشكل الخاص يتأثرون بسرعة هائلة وبديهية لما يحدث من حولهم من التغيرات والمتبدلات للمفاهيم والأسس قائمة عليها حياتهم اليومية والعيش الآمن ومتطور بزي كردي محدّث ، فاعتنقوا الديانة الذردشتية وغيرها إلى أن وصلوا إلى الإسلامية ،والحاضر خير دليل على ذلك .

أمّا اليوم والمرحلة التي وصلتْ إليها البشرية من المعرفة والازدهار بفضل العظماء ، الذين مرّوا عبر هذا التاريخ ، ودونوا أفكارهم وإبداعاتهم لازدهار العقول وتنوير البشر بما يليق كينونتهم ، والكرد أولاد هذا اليوم وأحفاد ذاك التاريخ العريق ، فمن الواجب إغناء المتلقي بكل أنواع المعرفة وإدخال ما يمكن إدخاله من الحداثة والتطور ، لكل جانب من جوانب حياته بما فيه الكفاية المطلوبة لتكتمل له لوحة الحاضر متطابقاً مع الماضي ، كوننا نعيش اليوم بداية المرحلة الثانية من الرقية بعد أن سقطتْ (ميديا).
ولكن ما يهمني في هذا الصدد هو الفكر ومدى تواجده في الكتابة الكردية ، باعتبار الفكر إحدى أهم أسس وآليات التطور البشرية نحو الرقية المراد الوصول إليها ، وبه ينمو القيم والمبادئ ، لينتج إنساناً فعالاً قادراً على تفهم الوقائع ومدركاً قضاياه الإنسانية والكونية .
فالإنتاج الفكري مازال ضئيلاً إنْ لم يكن معدوما بين أنامل لغتنا ،فعلى مَنْ تقع هذه المسؤولية يا كتّاب الكرد،أهذه أيضاً تقصير من القادة السياسية ؟
فلبعض يعلل هذا التقصير بالتطور والتكنولوجية العصرية ، وسرد المعلومات بسرعة هائلة وبوسائل بسيطة متناولة ومتداولة في معظم المجتمعات والبلدان ، فيعتبرونها قد أثرت في التقليل نوعا ما من إنتاج الفكري يليق وهذا العصر ، أمّا البعض الآخر وأنا من أنصارهم ، الذين يعتبرون أن ضئالة الإنتاج الفكري لدى الكرد لها أسبابها منها التاريخية ومنها السياسية ، برغم أنهما لا يشكلان مبرراً قاطعا لمثل هذا الموضوع ،وإلى هذا الحد .
أما السياسية فيمكن ترجمتها بلغة الشارع الكردي ، وبلسان الحركات والمنظمات الكردية – إنما تواجدتْ ، وغنى عن المعرفة بأنها السبب الرئيسي في التدهور كافة الجوانب حياتنا مقارنتاً مع باقي الشعوب والمجتمعات ، مع العلم بأننا نلقي وبشكل عفوي كل ما نعانيه على عاتق ظروفنا السياسية ، كحزب الذي لا يملك القدرة على القيام بمهامها فيبرر تقصيره بأن الوضع السياسي الحالي لا يسمح لنا بقيام بمثل هذا النشاط أو ذلك العمل ، دون تفسير معمق ليريقه إلى مستوى التبني أو القبول .
إلاّ أنها لا يمكن تجاهلها ، لأنها جزء من الواقع ، وباعتباره مرتبط ببنية القضية الكردية وسبل معالجتها .
أمّا التاريخية فأننا نستند على ما هو مدون وموثوق حالياً ، فإن عدنا قليلاً فسنجد الشاعر الكبير (جكرخوين) هذا الرجل العظيم الذي قضي نصف الأول من حياته في أمور معرفية دينية بحتة كانت مقبولة جداً وقتها أما النصف الآخر فخصصه لكتابة الشعر ، فقصائده مازالتْ تُقرأ وتُسمع ، و إنْ عدنا أكثر بقليل ، فنجد ( أحمد خاني ) –  رحمه خوده –  فنقرأ قصصه الشعرية وتاريخ شعري موزون ،وأيضاً (فقه طيران) وووو…….الخ
فهذا التاريخ المليء بالشعر والقصائد ، وحتى تاريخنا القديم والحديث وحكاياتنا نسمعها بطريقة شعرية أو غنائية أكثر من ان نسمعها بشكل أكاديمي محلل ومفسّر .
للأسف جداً الذي يتعلم القراءة والكتابة باللغة الكردية ، يسمي نفسه بالشاعر أو أديب ، فلا أعاتبه باعتباره قد قرأ الشعر الكردي أكثر من أن يقرأ أي كتابة كردية فلسفية كانت أو فكرية أو حتى التاريخية .
ومن أجل ذلك الاتهام  –  مع احترامي الشديد لبعضهم  –   يحاول جاهداً النجاح في مهنته فيكثر من كتابة القصائد  وكتاباته الأدبية ، دون أن يتطرق لأي نوع آخر للكتابة  ومنها وما يهمنا المواضيع الفكرية .
ففي نظري اليوم نحن بأمس الحاجة إلى أن نكتب وبلغتنا الأم  –  مع أنني مازلت أكتب بالعربية فهذا تقصير مني ومعترف به سلفا  –  كل ما يغنيها يقويها ويشجع ويشد القارئ والمتلقي إليها ، فنطور بكل ما في وسعنا هذه اللغة التي مازالت مستهدفة من قِبل البعض الشوفينيين ، ونحميها من كل نسمة هواء تهب و تحرك مشاعرنا واهتماماتنا الشخصية بقصد الإغناء الأصالة الكردية .
فباتتْ أمنيتي أن أقرأ كتاباً وبلغتي الكردية يتناول المواضيع الفكرية حتى ولو كان منقولاً أو مترجماً ، فلا أجد عيباً في ذلك فالفلسفة العربية أغلبها منقولة ومسبغة بعقل وفهم ولغة العربية .
كما ذكرنا في البداية بأن العالم بأثره يتأثر من بعضهم البعض بكل ما ينتجه العقل البشري أينما وجد، فهل من العيب  أن يتأثر عقول الكرد بأفكار غيرهم غربياً كانت أو أمريكياً حتى ولو كانت أفريقية …..
 
  
 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

كان الصباح ثقيلاً، والحافلة تمضي ببطء كأنها تجرّ نفسها فوق الطريق.
جلسنا متلاصقين، غرباء تجمعنا رائحة الغبار والتعب.
بدأ الحديث عادياً… عن الطريق، عن العمل، عن الغلاء. لكن سرعان ما انزلق إلى مكان آخر.
قال أحدهم بنبرة حادة: “هؤلاء لا يستحقون العيش هنا.”
ساد صمت ثقيل.
شعرت أن الهواء أصبح أضيق.
نظرت إليه، لم يكن غاضباً… بل مقتنعاً.
وهنا كانت المشكلة.
تدخلت…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِرْصُ الغرب على ترجمة أعمال الروائية اللبنانية حنان الشيخ ( وُلدت 1945 ) قد يبدو للبعض مؤشِّرًا على الاعتراف بالقيمة الأدبية،أو الثقل الثقافي للرواية العربية المعاصرة.لكنَّ الوقوف عند هذا الحِرص يكشف طبقات أعمق من الدوافع ، تتراوح بين الفضول الغربي نحو ” المرأة العربية المقموعة المُضْطَهَدَة ” ،…

أ. د. قاسم المندلاوي

اهتمّ الكورد منذ قديم الزمان بتربية الخيول وإتقان مهارات ركوبها وألعاب الفروسية، ويُعدّون من أوائل الأقوام الذين استخدموا الخيل في الأنشطة القتالية والرياضية. وقد ساعدتهم طبيعة كوردستان المتنوعة — من جبال شاهقة وسهول ووديان وغابات وأراضٍ زراعية خصبة — إضافة إلى مناخها المتقلب بين البرد القارس والحر المعتدل، على بناء…

صدرت حديثا عن دار الزمان للطباعة والنشر المجموعة المسرحية الجديدة للكاتب المسرحي الكردي أحمد إسماعيل إسماعيل، والتي تحمل عنوان “صرخة الطاووس”، في 139 صفحة، وتضم خمسة نصوص مونودرامية تعكس تجارب إنسانية وفكرية عميقة.

وتتضمن المجموعة النصوص التالية:

“الكابوس”: يتناول حلم كاتب متمرد يتحول إلى كابوس، تختلط فيه الحدود بين الواقع والخيال.
“خَجي”: نص مستوحى…