ترميم المدينة …؟

داريوس داري
Daryos55@nefel.com

حاولت أن أعتزل الدنيا وأصير متصوفا لأتعبد  ربي ففشلت لأنني لم أكن أملك من كل هذه الأرض ولو مساحة لجبيني لأركع عليها واصلي …!  ( الماغوط )    
 قد تصحو من غيبوبتك بعد 9 ألاف سنة من الآن , لتجد وكأن جميع الأصوات التي اعتدت عليها في حياتك مثل , خرير المياه , ودبدبة ا قدام النواعم على الأرض ورنين المحمول , قد تحولت إلى ضجيج مزعج يصم الأذان وينغص عليك عيشتك . لتستقر في الطابق العلوي من قامتك المبعثرة . ثرثرة , أصوات , ضجيج , من كل الاتجاهات . تزعجك أينما كنت وأ ينما ذهبت لتغزو مكان وجودك من جميع المنافذ والشقوق الواسعة والضيقة ..

 تنتظر الفرصة السانحة لتحصل على جواز سفر لتهجر عقلك الذي ما عاد يطاق .  
سيارات , دراجات نارية , هوائية . بقايا الرمل والقمامة أمام البيوت .
 المجاري الفرعية مسدودة بسبب ضيق الوقت .
  وفي الشوارع الرئيسية حفريات لا تنتهي . أبواق السيارات . وأصحاب ا لدكاكين وبضائعهم المعروضة على الرصيف , ممنوع السير على الرصيف إلا….
 حدادين وأصوات المطارق, أصحاب الاستريوها ت يستخدمون آلات مرتفعة الأصوات , صخب في الثانية . أولاد يلعبون في الطرقات وفي الأزقة يفجرون صرخاتهم بلا انقطاع عند خروجهم من المدرسة والشتائم المتكررة , ضاعت التربية بين المدرسة وبين حفريات المدينة    .
كل ذلك ينخر أعصابك ويضعك على حافة الانهيار . ضجيج في كل مكان  ألغ نهيق الحمير, ونقيق الضفادع ونباح الكلاب وزقزقة العصافير ونغمات حبات المطر على سطوح اكواخنا  , ووقع خطى المارة المستعجلين والمتلهفين الذين يقصد كل واحد منهم وجهة ما , ويحمل على كاهله هموما متراكمة مختلفة متنافرة ومتقطعة في كثير من الأحيان !
تلملم أوراقك المبعثرة وترتدي ما تيسر من البالة مما يستر جسدك .. تحمل قلما فارغ من الحبر وتقفز من الباب هاربا من فوضى الحياة , ووقع تلك الأصوات يكاد يفقدك السيطرة على خطواتك , ويغرقك في حفريات المدينة فلا تعرف أي الجهات تقصد , تنتشل روحك بصعوبة مسرعا نحو الجدار هذه المرة , ولتتنبه إلى تلك القدرة الخارقة التي صرت تتمتع بها فجأة من دون أن  تعرف مصدرها , تنتظر قليلا لتسترد أنفاسك ثم تنظر إلى الأمام , فترى كافيترية للوجبات  السريعة ,
 همبرغر, كنتا كي , بيتزا مع الكاتشب, كمبري مع جرجير .
 أين البرغل عصب الركب و المخ .  
 تركض تتأبط  أوراقك الرثة المتسخة من خطوات الهاربين قبلك , وما أن تطأ قدماك الشارع الملتهب حتى تكتشف أنك قد غادرت مكانك البائس حافيا دون قبعة , ومع ذلك تمضي هاربا دون ساقين مما يدمر تلا فيف وجهك الآخر .   
تواصل فرارك عبر الأزقة والشوارع , تركض بسرعة جنونية تسابق غبار المدينة , ويبدأ حلم المدينة الكبيرة يصغر شيئا فشيئا حتى تكاد تختفي .. تلتقط جرعة من أنفاسك المتقطعة وترهف السمع قليلا لتكتشف أن الضجيج المحتقن بدأ يخف كلما ابتعدت أكثر فأكثر .
تتوقف تحت ظل غيمة هاربة ( مثلك ) تستجدي قليلا من البرودة , لكنها لا تنتظرك , فتندفع إلى السير مجددا لتقودك هي حيث تشاء دون إذنا منك .  
 ولكنها تقودك إلى خارج الضجيج !!
وفي الوقت الذي تعتقد أنك وصلت إلى مكان فيه شاعرية .
لا تسمع سوى نمنمات الفراشات المنمنمة والمزخرفة الزاهية الجميلة يا سبحان الله .  ومياه عذبة وهدوئها الذي يجلب السكينة إلى النفس والروح , يستفيق في مشكاة جمجمتك , ضجيج آخر لم تكن قد حسبت حسابه من قبل : إنه ضجيج في داخلك يناديك . رممني قبل ترميم المدينة , حيث تتصارع الآلام والأحلام , الأمنيات والإحباطات , الحب والكراهية , والانطلاق للحياة والسعادة , الجمال والبشاعة . صراع تستخدم فيه كل أنواع الأسلحة الخارقة . و الحارقة . و المتفجرة والقصص المسيلة للدموع .   
ضجيج في الخارج .. ضجيج من الداخل .. تلتفت يمينا ويسارا , تلمح فراشة ملونة تحط على زهرة ندية , فيراودك حلم جميل تتحول فيه المدينة من حفريات  إلى عالم فراشات , الجميع يعملون فيه بهدوء وسكينة .. ويعشقون الحياة بلا رقيب ولا حسيب , بلا خجل أو خوف من الانزلاق.                  

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ياسر بادلي
في سجنٍ واحدٍ، وتحت سقفٍ واحد، كانت حياتان تسيران في اتجاهين مختلفين تمامًا.
في أحد الأجنحة، جلس أصحاب اللحى الطويلة تحت راياتهم السوداء وكأنهم في رحلةٍ ربيعية.
كانت الضحكات تعلو، والوجوه مشرقة، وكأن الجدران لم تُبنَ للحبس بل للمرح.
تقاسموا الموز والبرتقال، ورموا الثمار بين الزنازين كما لو أنها كرات ملعب.
قال أحدهم ضاحكًا وهو يقذف…

ننعي إليكم في هذا اليوم بوفاة الشاعر الكردي أحمد حسيني بمملكة السويد بعد معاناة مع مرض عضال.و أحمد حسيني شاعر وإعلامي. وُلد في مدينة عامودا عام 1955 وتلقّى تعليمَه الإبتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس عامودا، ثم انتقل إلى دمشق لدراسة الفلسفة في جامعة دمشق حتى تخرّج منها. و قد منعَه النظام البعثي الأسدي من العمل…

عبدالعزیز قاسم

 

قبل نحو أربعة قرون، أشار الشاعر والفيلسوف الكردي أحمد خاني في ملحمته الشهيرة «مم وزين» إلى العديد من المظاهر الاجتماعية والاحتفالية في المجتمع الكردي، ولا سيما في أبيات عيد نوروز ومراسيم زواج تاجدين وستي، إلى العديد من الظواهر والمشاهد التي نراها اليوم في الكرنفالات الأوروبية؛ بدءا من سباق الخيول أو مايسمى «جرید»، إلى الألعاب…

خالد حسو

حين نعود بذاكرتنا إلى الماضي، إلى تلك الأيام التي كان فيها الفرح بسيطًا وصادقًا، نستحضر وجوهًا وأصواتًا صنعت جزءًا من ذاكرة قريتنا الجميلة. ومن بين تلك الذكريات تبرز فرقة قطمة للفلكلور الشعبي الكوردي التي شكّلت علامة مضيئة في تاريخ قرية قطمة وتراثها الفني.

تُعدّ فرقة قرية قطمة (Qitmê) في منطقة جياي كورمينج – ريف عفرين…