قامت الشخصيات الـ 21 بدور محوري آخر هو الحديث عن الحياة الاجتماعية الكردية وطقوسها الثقافية، ما فتح المجال للتعرف على حياة الأكراد جيداً، ولفهم فكرة “التسميم” بشكل أكثر اتساعاً من مجرد القتل الفردي، فالشيخ الخاني يؤكد أكثر من مرة أنّه مسمّم بالتاريخ الذي لم يرحم فيه الأكراد أنفسهم، حين ظلوا مرتهنين لرغبات وأجندات الآخرين وتعليماتهم، ما يعني أن “التسميم” كان ثيمة مهمة في العمل، والتاريخ كان ضرورياً للقول إن أحمد الخاني مثقف موجود في كل الأزمنة حتى وإن كان قد مات بشخصه كشاعر كردي، إن الإسقاطات التي وردت في العمل صارخة بلا شك، خاصة تلك التي تناولت دور سيادة المال، وتواطؤ رجال الدين مع السلطات العثمانية والتحايل على البسطاء بترويج فكرة الجهاد وإغرائهم بالغنائم والجنان!
بشكل عام، فإن الرواية ناقشت العلاقة الملتبسة دوماً بين المثقف والسلطة، حيث تحضر السلطة بنفوذها عبر شخصيات ومواقف وقرارات، ويحضر المثقف في رمزية “الحبر” كحامل أساسي معبر عنه، أما حين يجعل المؤلف الحبر معطراً، فإنما ليحكم الخناق على السلطة بإضعاف موقفها وهللة مكانتها، إذ تقتل شيخاً شاعراً وعاشقاً مسالماً يكتب بحبر معطر، وهنا تأتي قمة التمجيد لفعل الإبداع الخالد المتحرر من نفوذ السلطة، والعارف بتسميمها له مقدماً، قبل أن يموت، وذلك بتجاهله وتسميم روحه وتشويه فكره وتقديم من لا أهلية لهم ولا قيمة على العلماء وأصحاب الفضل، إمعاناً في مضاعفة شعور الاغتراب لديهم، وهذا قمة التسميم بالفعل.
الرواية عمل جميل فعلاً.
عائشة سلطان- جريدة الاتحاد الإماراتية

التعليقات (0)