إحداثيات العقل الكوردي

فرمان صالح بونجق

إن العقل الجمعي لأية أمّةٍ من أمم هذا الكون له إحداثياته ، وهذه الإحداثيات ومع مرور الوقت تصبح إرثاً وطنياً وقومياً ، ليس بالإمكان تجاوزها ، والحال هذه ، فإن الإحداثيات لا تختلف كثيرا عن الجينات التي تتوارثها الأمة جيلاً بعد جيل ، كنايةً عن ثقافة لابد من المحافظة عليها ، بل وتطويرها وإغنائها بهدف ترسيخها كثوابت الأمة التي لا تقبل التأويل أو التفسير خارج سياقها القومي ، وتتوزع الإحداثيات هذه على مفاصل المصالح الحيوية لهذه الأمة ، ضمن فضاءاتها الجيوسياسية والجيوإقتصادية ، وتكمن وظائف هذه الإحداثيات على أنها عامل تماسك لشخصية الأمة ، وتعبير أخّاذ عن رؤاها الواحدة الموحدّة ، وإلاّ فإن هناك خللاً قد حدث ، واستوجب البحث.
العقل الكوردي ــ بدرجة ما ــ يختلف عن عقول الأمم الأخرى ، وكما قدّمته في المقالتين السالفتين (قولبة العقل الكوردي ــــ مناكفة العقل الكوردي) . لذا فإن إحداثياته أيضاً تختلف ــ بتلك الدرجة ــ عن إحداثيات عقول الأمم الأخرى ، طبقاً لاختلاف الظروف الذاتية والموضوعية ، وخصوصية هذه الظروف التي لا تزال تتحكم في التفاصيل الدقيقة لحياة الملايين من أبناء هذه الأمة المنكوبة في ذاتها وفي محيطها .
وتتوزع أولى وأهم الإحداثيات على بعدين هامّين ، أولهما البعد الوطني ، وثانيهما البعد القومي ، وهذه النظرية ــ أي نظرية الجمع بين البعدين ــ تتمتع بالغرابة بعض الشيء ، ومرده إلى غياب الدولة القومية للكورد ، أو بمعنى أوضح “الكيان السياسي” للأمة الكوردية ، حيث يتطابق في هذه الحال الولاء للبعدين معاً ، وفي آن معاً . والعلاقة الجدلية بين هذين البعدين ــ في الحالة المشار إليها ــ لم تكن مستقرة ذات يوم ، وخضعت على الدوام للمد والجزر ، وذلك بفعل المؤثرات المحلية أو الإقليمية أحيانا ، وإن كانت هناك بوادر مشجعة في الآونة الأخيرة في هذا الصدد. تتمثل في إعادة تنسيق الخطاب السياسي الكوردي الذي يسعى إلى خلق التوازن بين البعدين المذكورين .
أمّا كوردياً ، فإن إحداثيات العقل الكوردي تتسم بالتناثر الفوضوي اللامعقول ، كإحدى نتاجات التعددية السياسية المفرطة ، والتي خرجت عن الحالة الصحية للتعددية ، وقد تسببت في تهشيم الحد الأدنى من الرؤية السياسية الجامعة لمصالح وتطلعات الشعب الكوردي ، ناهيك عن العمل على فلسفة إقصاء الصوت السياسي للأصوات الأخرى ، والعمل على نفي مفهوم علاقة التفاعل الجدلي مع البنى الاجتماعية والثقافية ، والتي تُعتبر بحق المقدمات التاريخية الصحيحة لخلق مقدمات الفعل السياسي .
أما إحدى الجوانب الأخرى لهذا التناثر من الإحداثيات ، فيكمن في عدم قدرة المنتِج للقرار السياسي على خلق الحالة الخصوصية المناسبة للواقع الكوردي ، وغالباً ما يعتمد هذا المنتِج على إعادة صياغة القرار السياسي المستورد ، ومحاولة توطينه بما يتلاءم مع إستراتيجيات مناطق صناعة ذلكم القرار ، مما يتسبب في التصادم المؤذي وأحياناً القاتل لمنطقة إسقاط تلكم القرارات ، وليس بخفيّ على أحد أن معظم مراكز صناعة القرار الذي يخص المناطق الكوردية تتوزع بين : دمشق وإستانبول وطهران ، بالإضافة إلى بعض المراكز الكوردية الإقليمية ذات النفوذ ، هذا إذا استثنينا المقاربات القادمة من عواصم الدول الكبرى ، والتي تبحث عن مصالحا في إطار إعادة توزيع مناطق نفوذ الثروات . مما يكسب هذا التناثر المفرط للإحداثيات أقسى أشكال فقدان الهوية السياسية ، وبالتالي الخصوصية القومية .
العقل الجمعي الكوردي بحاجة إلى مراجعة جادّة ، بغية وضع قواعد جديدة ، الغاية منها لملمة هذا التناثر المرعب لإحداثياته ، كي يتجاوز المنغّصات السياسية التي ترتد ارتداداً مباشراً لتلقي بظلالها المخيفة على حياة الناس ، دونما سبب وجيه ، ودونما مبرر .

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

فراس حج محمد| فلسطين

هل لمحمود درويش ابنة يهوديّة، باعتبار أنّه ضاجع مراراً وتكراراً ريتا اليهوديّة دون أن يستخدم (الكوندوم)، والابن يهوديّ إن كان مثل أمّه، أيُّ تورُّط هذا لو اعترف درويش بأنّ ريتا قد حملت منه، وصار الجنين بنتاً، ريتا في ذلك الوقت- حسب روايات الرواة الثقاة- كانت متزوجة، والدليل ما قاله السوريّ بعد عقود…

عِصْمَتْ شَاهِينَ الدُّوسَكِي

أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ
فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ
كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ
حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى
تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ
طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ
بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ
حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ
تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ
كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا
تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

سَلْ مَا بَدَا…

جليل إبراهيم المندلاوي

نِصفي معي، لكنَّ نصفي غائبُ
والنِصفُ خلفَ المستحيلِ يحاربُ
​نِصـفي طـواهُ التِّيـهُ في فلواتِـهِ
وأنا وراءَ النِّـصـفِ دَوْمـــاً ذاهــبُ
​أَمْــضِـي لآثـارِ الضــــياعِ كـأنَّــني
خلفَ السَّرابِ معَ السَّرابِ أُصاحبُ
​فأنا المسافرُ في شتاتِ ملامحي
أَســعى لِذاتـي والـدُّروبُ عـجـائـبُ

​يَمَّمْت وجهي في المدائن باحثاً
عـن نصفي المـفقود بـين عـقارب
​فوجدت في صمت الوجوه حكايةً
عـن حـائرٍ.. أَعيَتْ خُـطاهُ مَذاهِبُ
​أغـدو بشوقٍ، والسـراب يـقودني
والعـمر يمـضي.. والبـقاء مَـتَاعِبُ
​تعب ارتحالي…

صبحي دقوري

ليس الجمال حقيقةً بيولوجية خالصة، كما يتوهم دعاة الطبيعة المجردة، ولا هو صناعة اجتماعية بحتة كما يذهب أنصار التفسير السياسي لكل شيء. وإنما هو — في حقيقته — ملتقى عنصرين: عنصرٍ فطريٍّ يختزن في النفس الإنسانية، وعنصرٍ تاريخيٍّ تصوغه البيئة وتعيد تشكيله.

فالإنسان، منذ نشأته الأولى، لا ينظر إلى الجسد نظرة حسابٍ هندسي، ولا يزنه…